ما قصة جزيرة سقطرى بين الطبيعة الفريدة وصراع النفوذ؟
جزيرة سقطرى أرخبيل يمني في بحر العرب، تشتهر بطبيعة لا مثيل لها في العالم، إذ لا تنمو أكثر من ثلث نباتاتها في أي مكان آخر. وأدرجتها منظمة اليونسكو على قائمة التراث العالمي عام 2008. لكن موقعها قرب طرق الملاحة جعلها خلال الحرب محل تنافس إقليمي، إذ تمددت فيها الإمارات منذ 2018. ثم انسحبت منها مطلع 2026، فعاد الأرخبيل إلى سلطة الحكومة اليمنية بدعم سعودي.

أين تقع جزيرة سقطرى ولماذا تُعد فريدة؟
يقع أرخبيل سقطرى في بحر العرب قبالة القرن الأفريقي، وهي أقرب إلى سواحل الصومال منها إلى البر اليمني. ويتكون الأرخبيل من الجزيرة الرئيسية وثلاث جزر مأهولة أو شبه مأهولة أصغر هي عبد الكوري وسمحة ودرسة. وعاصمته مدينة حديبو، وقد أصبحت محافظة مستقلة عام 2013 بعد أن كانت تابعة لمحافظة حضرموت.
وتعود فرادة سقطرى إلى عزلتها الطويلة عن اليابسة منذ ملايين السنين. وتتنوع تضاريسها بين سهول ساحلية، وهضبة ديكسم الكلسية، وجبال حجهر الجرانيتية التي يتجاوز ارتفاعها 1500 متر، إضافة إلى بحيرة ديطوح الساحلية التي تجذب الطيور المهاجرة. فوفق اليونسكو، يضم الأرخبيل مئات الأنواع النباتية، نحو 37% منها لا يوجد في أي مكان آخر في العالم. كما يضم أنواعاً متوطنة من الزواحف والطيور والحلزونات البرية، ولذلك يُلقب أحياناً بـ«غالاباغوس المحيط الهندي».
ويتحدث سكان الجزيرة، الذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف، اللغة السقطرية إلى جانب العربية. وهي من اللغات العربية الجنوبية الحديثة، وتنتقل شفهياً دون تقاليد كتابة راسخة. ويعتمد معظم السكان على الصيد والرعي وزراعة النخيل، إضافة إلى سياحة بيئية محدودة نشطت في السنوات الأخيرة.

ما هي شجرة دم الأخوين؟
شجرة دم الأخوين أشهر رموز سقطرى، وتتميز بتاجها الذي يشبه المظلة المقلوبة وجذعها المتفرع. وتفرز الشجرة عند جرحها راتنجاً أحمر داكناً، استُخدم منذ العصور القديمة في الصباغة والطب الشعبي، وارتبطت به أساطير عن دم أخوين متقاتلين. وما زال هذا الراتنج يُباع في أسواق الجزيرة حتى اليوم. ولا تنمو هذه الشجرة طبيعياً إلا في الأرخبيل. وإلى جانبها يشتهر الأرخبيل بشجرة الخيار، وهي الشجرة الوحيدة في فصيلة القرعيات، وبشجرة وردة الصحراء ذات الجذع المنتفخ، إضافة إلى أنواع متوطنة من أشجار اللبان.
وتواجه شجرة دم الأخوين مخاطر متزايدة، أبرزها تغير المناخ والجفاف والرعي الجائر الذي يمنع نمو الشتلات الجديدة. كما ضربت الجزيرة إعصارا تشابالا وميغ في نوفمبر 2015، فاقتلعا آلاف الأشجار ودمرا منازل وطرقاً. وتحاول برامج محلية ودولية زراعة شتلات في مشاتل محمية لضمان بقاء النوع.
كيف بدأ النفوذ الإماراتي في الأرخبيل؟
بدأ النفوذ الإماراتي في سقطرى بعد الإعصارين عام 2015، حين أرسلت أبوظبي مساعدات إغاثية وبدأت مشاريع في الكهرباء والصحة والمياه والموانئ. وفي أبريل 2017 دافع الكاتب خيرالله خيرالله في صحيفة «العرب» عن هذه المساعدات، ورد على حملات قال إن حزب الإصلاح يشنها ضد الإمارات. ونفى ما تردد عن تسهيل أبوظبي إقامة قاعدة عسكرية أمريكية في الجزيرة، معتبراً ذلك مجرد إشاعات.
وذكّر الكاتب بأن المساعدات الإماراتية لليمن قديمة، مستشهداً بإعادة بناء سد مأرب بتمويل من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وافتتاحه عام 1986. لكن منتقدين يمنيين رأوا أن الدور الإماراتي في الجزيرة تجاوز الإغاثة إلى بناء نفوذ سياسي وعسكري، وتصاعد الخلاف حول ذلك في السنوات التالية.
ففي 30 أبريل 2018 نشرت الإمارات قوات في سقطرى، وسيطرت على مطارها وموانئها، ورُفع علمها على مبانٍ حكومية في حديبو. واحتجت الحكومة اليمنية وخرجت مظاهرات ضد الوجود الإماراتي، حتى توصل الطرفان في 14 مايو إلى اتفاق أعاد الإدارة إلى الحكومة، ونُشرت قوات سعودية في الجزيرة. ويلخص الجدول التالي أبرز المحطات:
التاريخ | الحدث |
|---|---|
2008 | إدراج الأرخبيل على قائمة التراث العالمي |
2013 | تحويل سقطرى إلى محافظة مستقلة |
نوفمبر 2015 | إعصارا تشابالا وميغ وبدء المساعدات الإماراتية |
أبريل 2018 | انتشار قوات إماراتية في المطار والموانئ |
مايو 2018 | اتفاق يعيد الإدارة للحكومة ونشر قوات سعودية |
يونيو 2020 | سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على الجزيرة |
مطلع 2023 | توقف زيارات السياح إلى جزيرة صغيرة غرب الأرخبيل |
يناير 2026 | انسحاب القوات الإماراتية وعودة السلطة الحكومية |
المصدر: ويكيبيديا، وموقع ماريتايم إكزكيوتيف، وموقع نون بوست، وموقع بوليتيكال جيوغرافي ناو.
ويتضح من الجدول أن الجزيرة انتقلت خلال عقد واحد من محمية طبيعية هادئة إلى ساحة تنافس إقليمي. وقد جرى ذلك في ظل غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة اليمنية، التي أضعفتها الحرب منذ 2015 وحدّت من قدرتها على إدارة المحافظات البعيدة.
كيف سيطر المجلس الانتقالي على الأرخبيل عام 2020؟
في يونيو 2020 سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً على المنشآت الحكومية في سقطرى، بعد أن رفض المحافظ رمزي محروس تشكيل قوة محلية موالية للإمارات. وانسحبت القوات السعودية من مواقعها حينها. كما سُمح لأبناء الأرخبيل بالعمل في الإمارات، ما خلق اعتماداً واسعاً على تحويلاتهم المالية. وتوسعت الرحلات الجوية المباشرة بين حديبو وأبوظبي، وأصبحت الطريق الرئيسية للسياح الأجانب.
وانقسم السكان حول هذا الواقع. فقد رأى مؤيدون أن الإمارات وفرت خدمات لم تقدمها الدولة اليمنية لعقود، مثل المستشفيات والكهرباء وفرص العمل. أما المعارضون فاعتبروا أن الجزيرة فقدت جزءاً من سيادتها، وأن مشاريع البناء والسياحة غير المنظمة تهدد بيئتها الهشة.
ماذا حدث في جزيرة عبد الكوري؟

مشهد طبيعي خلاب يبرز جمال السواحل اليمنية، حيث يمتد طريق معبد بمحاذاة شريط ساحلي تتلاقى فيه مياه البحر الفيروزية مع الجبال الصخرية شديدة الانحدار.
شهدت جزيرة عبد الكوري، الواقعة غرب الجزيرة الرئيسية، أعمال بناء لمدرج طيران ومنشآت عسكرية، تشير تقارير إلى أن الإمارات نفذتها دون علم الحكومة اليمنية. وأدت هذه الأعمال إلى توقف زيارات السياح إلى الجزيرة الصغيرة منذ مطلع 2023. كما رُصد مدرج مماثل في جزيرة سمحة المجاورة.
ولم تُعلن أهداف هذه المدارج رسمياً. فقد رأى محللون أنها قد تُستخدم لمراقبة الملاحة قرب خليج عدن، أو لدعم عمليات مكافحة التهريب، بينما لم تقدم الإمارات تفسيراً مفصلاً. وبعد انسحاب القوات الإماراتية مطلع 2026، قالت مصادر حكومية يمنية إن الدولة استعادت السيطرة على عبد الكوري وسمحة. لكن مصادر أخرى أشارت إلى غموض الوضع فيهما حتى فبراير 2026.
وفي مارس 2026 زارت رحلة بيئية سعودية الجزيرة، واستخدم سائقها المدرج العسكري المهجور طريقاً مختصراً. ويعكس ذلك تغير المشهد بسرعة بعد خروج القوات الإماراتية. وتملك الجزيرة الصغيرة قيمة بيئية خاصة، إذ تعيش فيها أنواع متوطنة من الزواحف، مثل وزغة صخرية لا توجد في مكان آخر. كما تجذب طيورها النادرة الباحثين والمصورين.
لماذا يهم الأرخبيل استراتيجياً؟
تهم سقطرى استراتيجياً لأنها تقع عند مدخل خليج عدن، على مقربة من الطرق البحرية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس. ويمنح ذلك من يسيطر عليها قدرة على مراقبة حركة السفن، وعلى دعم عمليات مكافحة القرصنة والتهريب. وقد برزت هذه الأهمية خلال موجة القرصنة الصومالية بين عامي 2008 و2012.
ولم تكن هذه الأهمية جديدة. فقد خضع الأرخبيل للحماية البريطانية ضمن سلطنة المهرة حتى استقلال الجنوب عام 1967، ثم أصبحت جزءاً من الدولة الجنوبية ذات التوجه الاشتراكي. وما زالت دبابات تعود إلى الحقبة السوفيتية ملقاة على شواطئ الجزر الغربية، شاهدة على حضور الحرب الباردة في الأرخبيل.
ولهذا تتابع قوى إقليمية ودولية مصير الأرخبيل باهتمام، رغم صغر عدد سكانه. ويرى محللون أن أي ترتيب سياسي في اليمن سيحدد أيضاً من يتحكم في هذا الموقع البحري الحساس.
الوضع اليوم: من يحكم جزيرة سقطرى عام 2026؟
تخضع سقطرى عام 2026 لسلطة الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، بعد تحولات سريعة شهدها الجنوب. وكانت قوة سعودية بحجم كتيبة موجودة في الأرخبيل قبل هذه التحولات، رغم سيطرة المجلس الانتقالي الفعلية عليه. ففي أواخر ديسمبر 2025 انسحبت القوات الإماراتية من الجزيرة، وتوقفت الرحلات بينها وبين أبوظبي. وأعلنت الإمارات أنها أكملت سحب قواتها من اليمن في 3 يناير 2026، إثر المواجهة بين المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الحكومية.
وفي 8 يناير 2026 نقلت رحلات حكومية أول 160 شخصاً من الجزيرة إلى جدة، في مؤشر على عودة السلطة الحكومية إليها. ثم أعلنت الرياض تسيير رحلات مباشرة من جدة إلى حديبو. ويعمل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن منذ سنوات في مشاريع داخل الأرخبيل تشمل الطرق والكهرباء والمياه والصحة، ويتوقع أن يتوسع دوره بعد خروج الإمارات. وفي المقابل أُعلن في الرياض حل المجلس الانتقالي الجنوبي، لكن متحدثاً باسمه مقيماً في الإمارات نفى ذلك، وخرجت تجمعات مؤيدة له في عدن.
وتواجه الجزيرة اليوم تحديات معيشية بعد انقطاع الرحلات والتحويلات المرتبطة بالإمارات. وحذرت جهة يمنية معنية بحقوق الإنسان من أن عزلة الأرخبيل المتزايدة تؤثر على الخدمات الأساسية، خاصة في الجزر الصغيرة. ويبقى مستقبل السياحة البيئية مرتبطاً بالاستقرار وفتح طرق سفر آمنة. فقد استقبل الأرخبيل في السنوات الأخيرة آلاف الزوار سنوياً، معظمهم عبر رحلات منظمة من الخليج، ووفرت هذه السياحة دخلاً مهماً للأدلاء المحليين وأصحاب المخيمات. لكن خبراء البيئة يحذرون من أن التوسع السريع دون ضوابط قد يضر بالمواقع الطبيعية الهشة، ويدعون إلى سياحة محدودة العدد تحترم قواعد المحميات.
الخلاصة
تجمع جزيرة سقطرى بين طبيعة فريدة تضم شجرة دم الأخوين ونباتات لا توجد في أي مكان آخر، وموقع استراتيجي جعلها محل تنافس إقليمي. وقد امتد النفوذ الإماراتي فيها من الإغاثة عام 2015 إلى السيطرة الفعلية حتى 2025، قبل الانسحاب مطلع 2026. وتعود الجزيرة اليوم إلى سلطة الحكومة اليمنية بدعم سعودي، بينما يبقى الحفاظ على بيئتها وتحسين حياة سكانها التحدي الأكبر.
الأسئلة الشائعة
كيف يمكن زيارة جزيرة سقطرى؟
تتطلب زيارة سقطرى تأشيرة أو تصريحاً من السلطات اليمنية، وتنظيم الرحلة عبر شركات سياحية محلية مرخصة. وكانت الرحلات تمر سابقاً عبر أبوظبي، لكن السعودية أعلنت مطلع 2026 تسيير رحلات من جدة. وينصح بمراجعة تحذيرات السفر الرسمية قبل الرحلة، لأن الأوضاع الأمنية واللوجستية تتغير بسرعة. ويُفضل السفر بين أكتوبر وأبريل، لأن الرياح الموسمية القوية في الصيف تعطل الرحلات البحرية والجوية.
ما هي لغة سكان سقطرى؟
يتحدث سكان سقطرى اللغة السقطرية إلى جانب العربية، وهي من اللغات العربية الجنوبية الحديثة القريبة من المهرية. ولم تُكتب هذه اللغة تقليدياً، بل حُفظت شفهياً عبر الشعر والحكايات. ويعمل باحثون منذ سنوات على توثيقها خشية تراجعها أمام العربية، خاصة بين الأجيال الشابة التي تتلقى تعليمها بالعربية وتعمل خارج الأرخبيل.
هل سقطرى محمية طبيعية؟
نعم، أدرجت اليونسكو أرخبيل سقطرى على قائمة التراث العالمي عام 2008 بوصفه موقعاً طبيعياً فريداً. كما أُعلنت أجزاء واسعة منه محميات طبيعية ومتنزهات وطنية. لكن الحرب وضعف الرقابة والبناء غير المنظم تهدد هذه الحماية، وفق تحذيرات منظمات بيئية.









