من يربح سباق السكك الحديدية بين إيران وتركيا على طريق الحرير الجديد؟
الرابح الأكبر من سباق السكك الحديدية بين إيران وتركيا هو الصين، صاحبة مبادرة طريق الحرير الجديد. فإيران تسعى إلى أن تكون ممراً برياً بين آسيا الوسطى وأوروبا والخليج. أما تركيا فقد فتحت طريقاً إلى الصين عبر جورجيا وأذربيجان وبحر قزوين لا يمر بالأراضي الإيرانية. وكلما زادت الطرق البديلة على طريق الحرير الجديد، انخفضت كلفة النقل على الصين وزادت قدرتها على التفاوض.

ما هو طريق الحرير الجديد ولماذا تهتم به الصين؟
طريق الحرير الجديد هو الاسم الشائع لمبادرة الحزام والطريق، التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2013. وتهدف المبادرة إلى تمويل مشروعات البنية التحتية وربط الصين بأسواق آسيا وأوروبا وأفريقيا. وتشمل المبادرة شقين: حزام بري من السكك والطرق، وطريق بحري يربط الموانئ. وتستعيد التسمية ذكرى طريق الحرير التاريخي الذي نقل البضائع بين الشرق والغرب قروناً طويلة.
وتهتم الصين بهذه الشبكة لأنها تمنحها وصولاً أسرع إلى المواد الخام والأسواق. فالقطار أسرع من السفينة وأرخص من الطائرة في نقل كثير من البضائع بين الصين وأوروبا. وقد سجلت قطارات الشحن بين الصين وأوروبا أكثر من 3,400 رحلة في الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2020.
وتموّل الصين ضمن مبادرة الحزام والطريق مشروعات سكك حديدية في دول كثيرة، ومنها إيران. ففي عام 2015 وقّعت طهران عقداً مع مؤسسة الصين لهندسة السكك الحديدية (CREC) لإنشاء خط فائق السرعة بين طهران وقم وأصفهان. ويبلغ طول الخط نحو 400 كيلومتر، وتصل سرعة قطاراته إلى 350 كيلومتراً في الساعة. ووافق بنك التصدير والاستيراد الصيني على تمويل المشروع عام 2017، لكن المشروع لم يُنجز في الموعد الذي حُدد له.

ما أهمية سكة حديد خواف هرات لإيران وأفغانستان؟
تربط سكة حديد خواف هرات شبكة القطارات الإيرانية بغرب أفغانستان، وتمنح هذا البلد الحبيس أول منفذ سككي نحو الموانئ والأسواق عبر إيران. وقد افتتحها الرئيسان الإيراني حسن روحاني والأفغاني أشرف غني عبر الاتصال المرئي في 10 ديسمبر 2020، بعد أن بدأ إنشاؤها عام 2007. ووصف روحاني الخط بأنه سادس خط حديدي حدودي يربط إيران بجيرانها.
ويبلغ طول الخط المخطط 225 كيلومتراً موزعة على 4 أقسام. وافتُتحت الأقسام الثلاثة الأولى بطول 140 كيلومتراً، من مدينة خواف الإيرانية إلى محطة روزنك في ولاية هرات، وموّلتها إيران. أما القسم الرابع، الذي يصل الخط إلى مدينة هرات نفسها، فكان من مسؤولية الحكومة الأفغانية ولم يكتمل عند الافتتاح.
ويمنح الخط أفغانستان طريقين نظرياً. الأول نحو الغرب عبر خط مشهد طهران الذي يشكل جزءاً من الممر الإيراني بين الشرق والغرب، ومنه إلى تركيا وأوروبا. والثاني نحو الجنوب عبر ممر الشمال الجنوب إلى ميناء تشابهار على بحر عُمان. لكن الطريق الجنوبي يعتمد على سكة تشابهار زاهدان، التي ما زالت أقسام منها قيد الإنشاء.
وتكتسب هذه الطرق أهمية خاصة لأن أفغانستان دولة حبيسة بلا منفذ بحري، واعتمدت طويلاً على الموانئ الباكستانية. وقد استخدمت الهند هذا الميناء لإيصال 20 ألف طن من القمح إلى أفغانستان عام 2023. ويُعد خط خواف هرات جزءاً من الممر الإيراني بين الشرق والغرب، الذي تسعى طهران إلى إدراجه في شبكة طريق الحرير الجديد.
كيف تتجاوز تركيا إيران في طريقها إلى الصين؟
تتجاوز تركيا إيران عبر الممر الأوسط، الذي يعبر جورجيا وأذربيجان ثم بحر قزوين وكازاخستان حتى الصين. وتقدّم أنقرة هذا الممر بوصفه جزءاً من مبادرة الحزام والطريق. وفي 4 ديسمبر 2020، قبل افتتاح خط خواف هرات بأيام، انطلق من إسطنبول أول قطار تصدير تركي إلى الصين. وحمل القطار 42 حاوية من الأجهزة المنزلية. ووصل القطار إلى مدينة شيآن الصينية في 19 ديسمبر، بعد رحلة قالت أنقرة إنها خفضت زمن الشحن من شهر إلى 12 يوماً. وكان قطار صيني قد عبر الممر نفسه ونفق مرمراي تحت مضيق البوسفور إلى العاصمة التشيكية براغ في نوفمبر 2019.
ويعتمد هذا الطريق على خط باكو تبليسي قارص، الذي بدأ إنشاؤه عام 2007 وافتُتح عام 2017 بعد تأخر طويل. ويعرض الجدول التالي توزيع مسافة رحلة القطار الأول البالغة 8,693 كيلومتراً على الدول والمعابر:
المقطع | المسافة (كم) | وسيلة النقل |
|---|---|---|
تركيا | 2,323 | قطار |
جورجيا | 220 | قطار |
أذربيجان | 430 | قطار |
بحر قزوين | 420 | عبّارة |
كازاخستان | 3,200 | قطار |
الصين | 2,100 | قطار |
المصدر: وزارة النقل والبنية التحتية التركية، ديسمبر 2020.
ويُظهر الجدول أن هذا الطريق يعتمد على عبور بحري في قزوين، ما يفرض تفريغ الحاويات وإعادة تحميلها على ضفتي البحر.
ويرى منتقدو هذا الطريق في إيران أن الشحن عبر قزوين يزيد الكلفة والوقت مقارنة بالنقل البري المتصل. لكن الطريق الإيراني نفسه ليس خالياً من العقبات، إذ يعبر الخط بين البلدين بحيرة وان التركية بالعبّارة. لذلك تعتمد المنافسة الفعلية على الكلفة الإجمالية والاستقرار السياسي والعقوبات، لا على المسافة وحدها.
هل تمنح الممرات الإيرانية طهران تفوقاً على تركيا؟

مشهد نهاري يوثق الإجراءات الأمنية والمراقبة المستمرة على طول جدار حدودي خرساني ضخم يمتد عبر تضاريس طبيعية قاحلة.
تملك إيران ميزة جغرافية واضحة على طريق الحرير الجديد، فهي تتصل برياً بآسيا الوسطى وأفغانستان والعراق وتركيا والخليج في آن واحد. ويمر عبر أراضيها ممران رئيسيان: ممر يربط الهند بروسيا من الجنوب إلى الشمال، والممر الإيراني بين الشرق والغرب. ويرى مؤيدو الممر الأول أنه أقصر من الطريق البحري بين الهند وأوروبا عبر قناة السويس، لذلك تهتم به روسيا والهند معاً. لكن هذه الميزة تصطدم بعقبات عملية تحد من استثمارها.
وأبرز هذه العقبات العقوبات الأمريكية، التي تُبعد الشركات والمصارف الدولية عن مشروعات النقل الإيرانية. وتعاني الشبكة الإيرانية أيضاً من تقادم البنية التحتية، كما يشير تحليل للمعهد الملكي للخدمات المتحدة البريطاني. في المقابل، يستفيد الطريق التركي من أنه يتجنب إيران وروسيا معاً، وهما دولتان تخضعان لعقوبات غربية.
وتراهن طهران على حلقة صغيرة قد تغيّر موقعها في المنافسة، هي سكة حديد الشلامجة البصرة بطول 32 كيلومتراً. فهذا الخط سيربط الشبكة الإيرانية بالعراق للمرة الأولى، وقد يمتد لاحقاً عبر العراق إلى سوريا والأردن والبحر المتوسط. وإذا تحقق ذلك، يمكن أن تصل البضائع الإيرانية والعابرة إلى أوروبا وشمال أفريقيا دون المرور بتركيا أو بحر قزوين.
لماذا تُعد الصين الرابح الأكبر على طريق الحرير الجديد؟
تربح الصين من تنافس إيران وتركيا لأن تعدد الطرق البديلة يخفض كلفة النقل ويقلل اعتمادها على دولة عبور واحدة. فإذا تعطل طريق بسبب العقوبات أو النزاعات، تستطيع تحويل الشحنات إلى طريق آخر. ويمنحها ذلك أيضاً قدرة أكبر على التفاوض حول رسوم العبور والتمويل.
ولهذا السبب تموّل الصين أو تشجع مشروعات على أكثر من مسار في الوقت نفسه. فخط مشهد طهران في الممر الإيراني، والطريق الذي تفضله تركيا عبر قزوين، يخدمان معاً هدف مبادرة الحزام والطريق في ربط الصين بأوروبا. وتعمل بكين على الطريقين دون أن تنحاز إلى طرف، لأن المنافسة بينهما تصب في مصلحتها. ويرى منتقدو المبادرة أن الدول المضيفة تتحمل جزءاً كبيراً من كلفة البناء وديونه، بينما تحصل الصين على حرية اختيار الطريق الأرخص. أما مؤيدوها فيرون أنها توفر تمويلاً للبنية التحتية يصعب الحصول عليه من مصادر أخرى.
لكن بعض الروايات تبالغ في حجم ما أُنجز فعلياً. فلا يوجد حتى الآن خط سكة حديد يربط ميناء جوادر الباكستاني بالصين، خلافاً لما يرد أحياناً في التقارير. ويقع جوادر على بعد نحو 140 كيلومتراً من ميناء تشابهار الإيراني. أما ربطه بالشبكة الباكستانية فمدرج ضمن خطط الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني بين عامي 2025 و2030. أما خط كاشغر جوادر المقترح فلم يتجاوز مرحلة دراسة الجدوى الأولية منذ عام 2014.
الوضع اليوم: ماذا تغيّر منذ عام 2020؟
تغيرت خريطة ممرات طريق الحرير الجديد كثيراً منذ عام 2020، لكن معظم المشروعات ما زال متأخراً عن مواعيده. ويلخص الجدول التالي وضع أبرز المشروعات المذكورة في هذا السباق:
المشروع | الدول المعنية | الوضع حتى 2026 |
|---|---|---|
سكة حديد خواف هرات | إيران وأفغانستان | الأقسام الثلاثة الأولى تعمل، والقسم الرابع قيد الإنشاء |
سكة حديد الشلامجة البصرة | إيران والعراق | وُضع حجر الأساس عام 2023، والتنفيذ الفعلي لم يبدأ بعد |
طريق التنمية | العراق وتركيا وقطر والإمارات | مذكرة تفاهم عام 2024، والمرحلة الأولى مقررة عام 2028 |
ميناء تشابهار | إيران والهند | عقد تشغيل هندي لمدة 10 سنوات، وعقوبات أمريكية منذ سبتمبر 2025 |
الممر الأوسط | تركيا وجورجيا وأذربيجان وكازاخستان والصين | يعمل، مع عبور بحري في قزوين |
المصدر: وكالة الأناضول، ووكالة الأنباء القطرية، وموقع AGBI، والمعهد الملكي للخدمات المتحدة، 2023-2026.
ويتضح من الجدول أن المشروعات الإيرانية تتقدم ببطء، بينما يتسع نطاق الطرق التي تربط تركيا بالشرق والجنوب.
ففي أفغانستان، يتولى تحالف شركة غاما الأفغانية والذراع الدولية للسكك الحديدية الروسية بناء القسم الرابع من خط خواف هرات. وفي 10 أكتوبر 2025 وصل أول قطار ديزل إيراني إلى محطة روزنك. وفي الشهر التالي صدّرت روسيا عبر الخط نفسه 5 آلاف طن من الديزل. وأعلنت سلطات طالبان في 10 نوفمبر 2025 أنها ستعطي الأولوية لطرق النقل التي لا تمر بباكستان.
أما سكة حديد الشلامجة البصرة، فوضع حجر أساسها في 2 سبتمبر 2023 رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والنائب الأول للرئيس الإيراني محمد مخبر. وكان يُفترض أن تُنجز خلال 18 إلى 24 شهراً. لكن المشروع تعثر بسبب الألغام المتبقية من حرب الثمانينيات والاضطرابات في البلدين، ثم أُسند إلى مجموعة إماثيا الإسبانية عام 2024. وفي أغسطس 2026 أعلنت وزارة النقل العراقية أنها شارفت على إنجاز المخطط النهائي للمشروع تمهيداً لبدء التنفيذ.
وفي المقابل، وقّع العراق وتركيا وقطر والإمارات في 22 أبريل 2024 مذكرة تفاهم لتنفيذ مشروع طريق التنمية. ويمتد المشروع 1,200 كيلومتر من ميناء الفاو الكبير في البصرة إلى الحدود التركية، بكلفة تقارب 17 مليار دولار. ويُنفذ على 3 مراحل تنتهي في 2028 و2033 و2050. ويمنح هذا الطريق تركيا منفذاً برياً إلى الخليج لا يمر بإيران، رغم أن مسؤولين عراقيين تحدثوا عن إمكان ربطه لاحقاً بخط الشلامجة البصرة.
الخلاصة
تتنافس إيران وتركيا على أن تكون كل منهما بوابة الصين البرية إلى أوروبا والشرق الأوسط، لكن الصين هي المستفيد الأكبر من تعدد الطرق. فقد فتحت إيران خط خواف هرات وتراهن على الربط بالعراق، بينما اعتمدت تركيا على الممر الأوسط ووقّعت على مشروع طريق التنمية العراقي. وحتى عام 2026 ما زالت الكلفة والعقوبات وبطء التنفيذ تحدد الرابح الفعلي على طريق الحرير الجديد أكثر من الجغرافيا وحدها.
الأسئلة الشائعة
ما الفرق بين الممر الأوسط وممر الشمال الجنوب؟
الأول طريق بين الشرق والغرب يربط الصين بتركيا وأوروبا عبر كازاخستان وبحر قزوين وأذربيجان وجورجيا، ويتجنب روسيا وإيران. أما الثاني فيربط الهند بروسيا وشمال أوروبا عبر إيران، باستخدام الموانئ الإيرانية والسكك الحديدية والطرق البرية. ولذلك يكمل الممران بعضهما أحياناً، وينافس كل منهما طرقاً أخرى في أحيان كثيرة. ويرتبط كلاهما بشبكة طريق الحرير الجديد التي تحاول الصين توسيعها.
متى أُطلقت مبادرة الحزام والطريق؟
أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ مبادرة الحزام والطريق عام 2013. وقدّم شقها البري خلال زيارته كازاخستان، ثم شقها البحري خلال زيارته إندونيسيا في العام نفسه. وتحولت منذ ذلك الحين إلى إطار واسع تموّل الصين ضمنه موانئ وسككاً حديدية وطرقاً ومحطات طاقة في عشرات الدول، من آسيا إلى أفريقيا وأوروبا.
لماذا يُعد بحر قزوين عقبة أمام الممر الأوسط؟
لأن البضائع لا تستطيع عبور بحر قزوين بالقطار، فتُنقل الحاويات إلى عبّارات ثم تُفرغ على الضفة الأخرى. وتزيد هذه العملية الوقت والكلفة، وتجعل الطريق مرتبطاً بسعة الموانئ والعبّارات وحالة الطقس. لذلك يُعد توسيع موانئ قزوين وأساطيل العبّارات شرطاً لنمو هذا الطريق، بينما ترى إيران في هذه العقبة حجة لصالح طرقها البرية المتصلة.









