نمط الحياة

ما هي اتفاقية الـ25 عاماً بين الصين وإيران وماذا تحقق منها؟

اتفاقية الـ25 عاماً بين الصين وإيران وثيقة تعاون استراتيجي وُقّعت في طهران في 27 مارس 2021، ولم يُنشر نصها الكامل رسمياً حتى اليوم. وتحدثت تقارير عن استثمارات صينية قد تصل إلى 400 مليار دولار مقابل إمدادات نفط إيرانية مخفضة السعر. لكن ما تحقق فعلياً هو الشق النفطي وحده، إذ اشترت بكين نحو 90% من صادرات النفط الإيراني عام 2025. أما الاستثمارات الصينية في إيران فبقيت محدودة جداً.

كتبه الهاشمي فاطمة

المحتويات
أعلام الصين وإيران: علم الصين الأحمر وعلم إيران يرفرفان معاً على ساريتين تحت سماء غائمة وقت الغروب.

ما هي اتفاقية التعاون بين الصين وإيران؟

اتفاقية التعاون بين الصين وإيران خطة شاملة لمدة 25 عاماً، تهدف إلى تطوير العلاقات في الطاقة والبنية التحتية والتجارة والمصارف. وقد طُرحت الفكرة لأول مرة خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى طهران في يناير 2016. وكانت تلك أول زيارة لزعيم صيني إلى إيران منذ أكثر من عقد. وخلال تلك الزيارة أعلن البلدان شراكة استراتيجية شاملة.

لكن المفاوضات سارت ببطء، ولم تتسارع إلا بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018. ووُقّعت مسودة الاتفاقية في بكين في 24 يونيو 2020، ثم وقّعها وزيرا الخارجية محمد جواد ظريف ووانغ يي في طهران في 27 مارس 2021. ووصف ظريف الصين حينها بأنها «صديق في الأوقات الصعبة».

وتُعد هذه أول اتفاقية تعاون بهذا الطول توقعها إيران مع قوة عالمية كبرى. وللمقارنة، وقّعت إيران مع روسيا عام 2001 اتفاقية تعاون لعشر سنوات، مُددت لاحقاً إلى عشرين عاماً. ولذلك وُصفت الاتفاقية بين الصين وإيران بأنها نقلة في توجه طهران نحو الشرق. ووفق مسودة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، تشمل مجالات التعاون المصارف والاتصالات والموانئ والسكك الحديدية والرعاية الصحية وتقنية المعلومات. لكن رقم 400 مليار دولار لم يرد إلا في تقرير الصحيفة، ورفض المتحدث باسم الخارجية الصينية تأكيد أي مبلغ.

لماذا تأخر توقيع الاتفاقية؟

تأخر توقيع الاتفاقية بين الصين وإيران خمس سنوات تقريباً، وتختلف التفسيرات لهذا التأخير. ففي يوليو 2020 قال مهدي صفري، السفير الإيراني الأسبق في الصين، إن الاتفاقية كان يجب أن تُوقّع قبل ست سنوات. وحمّل الحكومة الإيرانية آنذاك المسؤولية، بسبب تركيزها على التفاوض مع الغرب حول البرنامج النووي.

وميّز صفري بين هذه الاتفاقية والاتفاق النووي. فالاتفاق النووي، في رأيه، استند إلى التزامات تقدمها إيران مقابل فتح المسارات المالية، بينما تستند الاتفاقية مع بكين إلى التعاون المتبادل. وأشار إلى حاجة الصين الكبيرة إلى الطاقة، إذ كانت تستورد حينها نحو 10 ملايين برميل من النفط يومياً، يأتي جزء كبير منها من منطقة الخليج.

وأضاف صفري أن الصين اشترت من إيران نفطاً أكثر في سنوات عقوبات الأمم المتحدة مما اشترته بعد العقوبات الأمريكية الأحادية. واعتبر أن حجم التعاون بين الصين وإيران يتوقف أساساً على طريقة تعامل طهران مع بكين.

وفي المقابل يرى محللون أن العائق الأساسي كان حذر الشركات الصينية من العقوبات الأمريكية، لا السياسة الإيرانية وحدها. كما واجهت الاتفاقية معارضة داخلية في إيران، إذ أطلق مستخدمون إيرانيون حملة على مواقع التواصل ضدها، بسبب غموض بنودها والمخاوف من التبعية للصين.

ما دور النفط الإيراني في العلاقة؟

مضخات النفط (Oil Pumpjacks): مضخات استخراج النفط تعمل في حقل نفطي تحت سماء الغروب الدافئة.

مشهد صناعي يظهر مجموعة من مضخات استخراج النفط التقليدية وهي تعمل في حقل نفطي وتبرز هياكلها الداكنة ضد سماء الغروب أو الفجر. تسلط هذه الصورة الضوء على الآلات الثقيلة المستخدمة في قطاع الطاقة، مما يرمز إلى استمرارية إنتاج النفط الخام، وتأثيره الحيوي على الإمدادات العالمية والنمو الاقتصادي.

الخام الإيراني هو الركيزة الأساسية للعلاقة الاقتصادية بين الصين وإيران، وهو الجزء الوحيد الذي تحقق على نطاق واسع. ويعرض الجدول التالي أبرز المؤشرات عن هذه العلاقة عام 2025:

المؤشر

القيمة

المصدر

مشتريات الصين من الخام الإيراني

نحو 1.4 مليون برميل يومياً

كبلر

حصة الصين من صادرات إيران النفطية

80% إلى 90%

كبلر وبروغل

حصة الخام الإيراني من واردات الصين

نحو 12% إلى 13%

بروغل ولجنة الكونغرس

الخصم على سعر البرميل

8 إلى 10 دولارات

لجنة مراجعة العلاقات الأمريكية الصينية

قيمة النفط غير المسجل في الإحصاءات الصينية

نحو 31.2 مليار دولار

لجنة مراجعة العلاقات الأمريكية الصينية

التجارة الثنائية المسجلة رسمياً في الصين

9.96 مليار دولار

الجمارك الصينية

المصدر: كبلر، ومركز بروغل، ولجنة مراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية بين الولايات المتحدة والصين.

ويتضح من الجدول أن معظم التجارة الحقيقية بين الصين وإيران لا تظهر في الإحصاءات الرسمية الصينية. فالجمارك الصينية لا تسجل تقريباً أي واردات نفطية من إيران منذ عام 2022، رغم أن شركات تتبع الناقلات ترصد شحنات منتظمة.

وتشتري النفط الإيراني أساساً مصافٍ صينية صغيرة ومستقلة تُعرف بمصافي «إبريق الشاي»، بدأت الصين منحها تراخيص الاستيراد عام 2015. أما الشركات الحكومية الكبرى مثل سينوبك وبتروتشاينا فتجنبت هذا الخام منذ سنوات خوفاً من العقوبات. وغالباً ما يُعاد تصنيفه عند وصوله إلى الموانئ الصينية على أنه نفط ماليزي أو من دول أخرى.

وتشير لجنة الكونغرس إلى أن عائدات النفط المبيع إلى الصين تمثل نحو 45% من موازنة الحكومة الإيرانية. كما نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن ترتيب يُعرف بـ«البناء مقابل النفط». وفيه تشحن إيران النفط، بينما تبني شركات صينية مطارات ومصافي وشبكات نقل داخل البلاد.

هل نفذت الصين وعود الاستثمار في إيران؟

لم تنفذ الصين وعود الاستثمار الكبيرة في إيران حتى الآن. فوفق لجنة مراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية بين الولايات المتحدة والصين، لم يتحقق إلا القليل من الاستثمارات منذ توقيع الاتفاقية عام 2021. وللمقارنة، بلغ مجموع الاستثمارات الصينية في إيران بين عامي 2010 و2020 نحو 18.2 مليار دولار فقط، وفق متتبع الاستثمارات الصينية العالمية.

ويعود ذلك إلى سببين رئيسيين. الأول تردد الشركات الصينية في المخاطرة بوصولها إلى النظام المالي الدولي، والثاني العقبات البيروقراطية والمصرفية داخل إيران نفسها. ولذلك يصف محللون العلاقة بين الصين وإيران بأنها توازن صيني دقيق، لا تحالفاً حقيقياً. فبكين تريد الوصول إلى السوق الإيرانية ونفطها الرخيص، دون أن تتحمل الأعباء الجيوسياسية لطهران أو تخسر شركاءها في الخليج.

وتوضح أرقام التجارة هذا التوازن. ففي عام 2025 بلغت تجارة الصين مع كل من السعودية والإمارات نحو 108 مليارات دولار. أما تجارتها مع إيران فبلغت نحو 41.2 مليار دولار، بما في ذلك النفط غير المسجل. ويعني ذلك أن ميزان المصالح بين الصين وإيران غير متكافئ. فبكين تحتاج إلى علاقاتها الخليجية أكثر مما تحتاج إلى طهران، بينما تحتاج طهران إلى بكين أكثر من أي شريك آخر.

كيف تطورت العلاقات بعد عام 2021؟

تطورت العلاقات بين الصين وإيران بعد عام 2021 في الاتجاه الدبلوماسي أكثر من الاقتصادي. ففي مارس 2023 رعت الصين الاتفاق السعودي الإيراني لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهو ما عزز صورتها وسيطاً في المنطقة. وفي يوليو 2023 أصبحت إيران عضواً كاملاً في منظمة شنغهاي للتعاون، ثم انضمت إلى مجموعة بريكس في يناير 2024.

ولا تقتصر الروابط على الحكومات. فإيران من الدول القليلة التي تسمح للسياح الصينيين بدخولها دون تأشيرة، وكان آلاف المواطنين الصينيين يعملون فيها، خاصة في شركات الطاقة. وفي يونيو 2025 أجلت الصين أكثر من 3 آلاف مواطن من إيران خلال الحرب مع إسرائيل.

كما تربط الاتفاقية إيران بمبادرة الحزام والطريق الصينية، المعروفة أيضاً باسم طريق الحرير الجديد. وتسعى إيران إلى أن تكون ممراً برياً للبضائع الصينية نحو تركيا وأوروبا والخليج. وقد أشار السفير صفري عام 2020 إلى أن الصين أرادت في البداية بناء مسار للقطارات عبر كازاخستان وتركمانستان ثم إيران. لكنها اعتمدت المسار الروسي، في رأيه، عندما تأخرت طهران. لكن مشاريع السكك الحديدية والموانئ المرتبطة بالمبادرة تقدمت ببطء، بسبب العقوبات والتمويل المحدود.

الوضع اليوم: أين تقف العلاقة بين الصين وإيران عام 2026؟

تواجه العلاقة بين الصين وإيران عام 2026 أصعب اختبار منذ توقيع الاتفاقية. فبعد بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أواخر فبراير 2026، أدانت بكين الهجمات على السيادة الإيرانية ودعت إلى التفاوض. لكنها تجنبت أي التزام دفاعي رسمي تجاه طهران.

واستمرت بكين في شراء النفط الإيراني خلال الحرب، فاستحوذت على ما يصل إلى 90% من صادراته. ثم أعادت الولايات المتحدة فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية في 13 يوليو 2026، بعد انهيار اتفاق لوقف الحرب. ووفق شركة كبلر، لم تعبر أي ناقلة عملاقة محملة بالخام الإيراني مضيق هرمز منذ منتصف يوليو. كما تراجعت كميات النفط الإيراني المخزنة على ناقلات في المياه الآسيوية إلى ما بين 30 و40 مليون برميل، بعد أن كانت نحو 105 ملايين.

وكانت الصين قد استعدت لهذا السيناريو مسبقاً، إذ ارتفعت وارداتها النفطية بنسبة 16% في أول شهرين من عام 2026 لبناء المخزونات.

وفي سبتمبر 2026 قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن إيران لم يعد لديها سوى نحو 30 مليون برميل من النفط لم تشترها الصين بعد. ويعني ذلك أن الركيزة الوحيدة التي نجحت في العلاقة بين الصين وإيران، أي تجارة النفط، تعرضت لضربة قوية. كما تعاني مصافي «إبريق الشاي» نفسها من فقدان الخام الرخيص، واضطرارها إلى شراء بدائل أغلى. أما الاستثمارات الموعودة فتبدو أبعد من أي وقت مضى.

الخلاصة

اتفاقية الـ25 عاماً بين الصين وإيران وثيقة استراتيجية وُقّعت عام 2021، لكن بنودها لم تُنشر، ورقم 400 مليار دولار لم يُؤكد رسمياً. وقد نجح الشق النفطي، إذ أصبحت بكين المشتري الأول للخام الإيراني، بينما بقيت الاستثمارات الصينية محدودة. ويُظهر ذلك أن العلاقة بين الصين وإيران تقوم على الحاجة المتبادلة إلى النفط أكثر من الاستثمار. ومع حرب 2026 والحصار البحري الأمريكي، تراجعت حتى تجارة النفط، ما يجعل مستقبل الاتفاقية مرتبطاً بتطورات الحرب والعقوبات.

الأسئلة الشائعة

هل تمنح الاتفاقية الصين جزراً أو موانئ إيرانية؟

لا يوجد دليل رسمي على ذلك، لأن نص الاتفاقية لم يُنشر. وقد تحدثت تقارير عام 2020 عن منح الصين امتيازات في موانئ وجزر إيرانية، مثل جزيرة كيش، لكن مسؤولين إيرانيين نفوا ذلك ووصفوه بالشائعات. ويبقى غياب النص الرسمي سبباً رئيسياً لاستمرار هذه التكهنات.

ما هي مصافي «إبريق الشاي» الصينية؟

مصافي «إبريق الشاي» مصافٍ صغيرة ومستقلة يتركز معظمها في مقاطعة شاندونغ الصينية، وتعمل بهوامش ربح ضيقة. وتشتري الخام الإيراني والروسي الخاضع للعقوبات لأنه أرخص من أسعار السوق. ولأنها بعيدة نسبياً عن النظام المالي القائم على الدولار، فهي أقل تأثراً بالعقوبات الأمريكية من الشركات الحكومية الكبرى.

ما هي منظمة شنغهاي للتعاون؟

منظمة شنغهاي للتعاون تكتل إقليمي تأسس عام 2001 بقيادة الصين وروسيا، ويضم دولاً من آسيا الوسطى وجنوب آسيا. ويركز على التعاون الأمني والاقتصادي ومكافحة الإرهاب. وتضم المنظمة اليوم دولاً كبرى مثل الهند وباكستان، اللتين انضمتا إليها عام 2017. وانضمت إيران إلى المنظمة عضواً كاملاً في يوليو 2023، بعد سنوات من عضويتها بصفة مراقب.