ما هو مجلس القيادة الرئاسي في اليمن وكيف يتقاسم الشمال والجنوب السلطة؟
مجلس القيادة الرئاسي هيئة من ثمانية أعضاء تقود الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً منذ أبريل 2022. وقد نقل إليها الرئيس عبد ربه منصور هادي صلاحياته، وتقوم على مبدأ المناصفة، إذ يضم أربعة أعضاء من الشمال وأربعة من الجنوب. وفي يناير 2026 أُعفي عضوان جنوبيان من المجلس الانتقالي الجنوبي، وعُين بديلان جنوبيان، فبقيت المناصفة قائمة رغم تغير موازين القوى.

لماذا ظهر مبدأ المناصفة بين الشمال والجنوب؟
ظهر مبدأ المناصفة نتيجة شكاوى جنوبية متراكمة منذ حرب 1994. فقد أُحيل آلاف العسكريين والموظفين الجنوبيين إلى التقاعد القسري بعد الحرب، وتحولت احتجاجات المتقاعدين العسكريين عام 2007 إلى ما عُرف بالحراك الجنوبي. ومنذ ذلك الحين أصبحت القضية الجنوبية من أعقد ملفات السياسة اليمنية. وفي عام 2013 شُكلت لجنتان لمعالجة ملفي الأراضي المصادرة والموظفين المبعدين، لكن عملهما تعثر مع اندلاع الحرب، فبقيت مطالب المتقاعدين العسكريين وغيرهم دون حل شامل.
وحاول مؤتمر الحوار الوطني بين 2013 و2014 معالجة هذه القضية. فنصت مخرجاته على تمثيل الجنوب بنسبة 50% في الهيئات القيادية والسلطة التشريعية والوظائف العامة، خلال الدورة الانتخابية الأولى. وكان الهدف طمأنة الجنوبيين إلى أن الدولة الاتحادية المقترحة لن تعيد التهميش الذي شكوا منه.
لكن تطبيق المناصفة بقي محل خلاف. ففي فبراير 2016 نشرت صحيفة «عدن الغد» وثائق قالت إنها تكشف تعيينات في وزارة الخارجية اقتصرت على موظفين شماليين. ونقلت عن مستشار قانوني في الوزارة تساؤله عن غياب المناصفة في شغل الوظائف الشاغرة. كما تحدثت الصحيفة عن خلاف على منصب ممثل اليمن العسكري لشؤون حفظ السلام في نيويورك، قائلة إن مرشحاً جنوبياً استُبعد لصالح التمديد لمسؤول شمالي. وأشارت إلى أن اليمن يرسل مراقبين عسكريين وشرطة إلى بعثات أممية في دول عدة. ولم تنشر الصحيفة رداً من الجهات المعنية، وتبقى هذه الاتهامات رواية طرف واحد.
كيف تحولت المناصفة إلى اتفاق الرياض؟

تحولت المناصفة إلى التزام رسمي بعد اشتباكات أغسطس 2019 في عدن بين المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الحكومية. فقد رعت السعودية مفاوضات انتهت بتوقيع اتفاق الرياض في 5 نوفمبر 2019. ونص الاتفاق على تشكيل حكومة من 24 وزيراً، تتقاسم المحافظات الشمالية والجنوبية حقائبها بالتساوي، ويشارك فيها المجلس الانتقالي. كما نص على دمج التشكيلات العسكرية والأمنية للطرفين في وزارتي الدفاع والداخلية خلال مهلة محددة.
وتعثر تنفيذ الاتفاق أكثر من عام بسبب الخلاف على ترتيبات الأمن والانسحابات العسكرية. ثم تشكلت حكومة المناصفة في ديسمبر 2020، وأصبحت أول حكومة يدخلها المجلس الانتقالي رسمياً. وعندما وصلت الحكومة الجديدة برئاسة معين عبد الملك إلى مطار عدن في 30 ديسمبر 2020، استهدف هجوم المطار وأوقع عشرات القتلى والجرحى. وكشف ذلك هشاشة الوضع الأمني في العاصمة المؤقتة. ورأى مؤيدو الاتفاق أنه يدمج المطالب الجنوبية في مؤسسات الدولة، بينما رأى منتقدوه أنه أجل الخلافات دون حلها.
كيف تأسس مجلس القيادة الرئاسي؟
تأسس مجلس القيادة الرئاسي في 7 أبريل 2022، حين أعلن الرئيس هادي نقل صلاحياته كاملة إلى الهيئة الجديدة، وإعفاء نائبه علي محسن الأحمر من منصبه. وجاء ذلك بعد مشاورات يمنية في الرياض برعاية مجلس التعاون الخليجي، امتدت من أواخر مارس حتى مطلع أبريل 2022، وأنهت عقداً من رئاسة هادي. وأصبح رشاد العليمي، وزير الداخلية الأسبق، رئيساً لها، بينما حمل الأعضاء السبعة الآخرون صفة نائب الرئيس.
وجمعت التشكيلة أبرز القوى المناهضة للحوثيين في هيئة واحدة، مع الحفاظ على التوازن بين الشمال والجنوب. ويعرض الجدول التالي تشكيلته الأصلية:
العضو | المنطقة | الصفة أو الانتماء |
|---|---|---|
رشاد العليمي | الشمال | رئيس المجلس |
سلطان العرادة | الشمال | محافظ مأرب |
طارق صالح | الشمال | قائد قوات المقاومة الوطنية |
عثمان مجلي | الشمال | شخصية قبلية من صعدة |
عيدروس الزبيدي | الجنوب | رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي |
فرج البحسني | الجنوب | محافظ حضرموت السابق |
عبد الرحمن أبو زرعة المحرمي | الجنوب | قائد ألوية العمالقة |
عبدالله العليمي باوزير | الجنوب | مدير مكتب الرئيس السابق |
المصدر: ويكيبيديا، وقناة العربية، والموقع الرسمي لرئيس مجلس القيادة الرئاسي.
ويتضح من الجدول أن التشكيلة استندت إلى تقسيم متساوٍ بين الشمال والجنوب، وإلى تمثيل القوى العسكرية الرئيسية على الأرض. فطارق صالح، ابن شقيق الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، يقود قوات على الساحل الغربي. أما أبو زرعة المحرمي فيقود ألوية العمالقة ذات الثقل في الجنوب والساحل.
ما صلاحيات الهيئة الرئاسية؟
يتولى مجلس القيادة الرئاسي إدارة الدولة سياسياً وعسكرياً وأمنياً طوال المرحلة الانتقالية، وفق إعلان نقل السلطة. كما يُكلف بالتفاوض مع الحوثيين للوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار وحل سياسي نهائي. ويمارس رئيسه صلاحيات رئيس الجمهورية، لكن القرارات المهمة تُتخذ بالتوافق أو بأغلبية الأعضاء.
وأُنشئت مع الهيئة الرئاسية «هيئة التشاور والمصالحة»، التي تضم ممثلين عن القوى السياسية والاجتماعية، وتساند المجلس في توحيد المواقف. كما أُنشئ فريقان قانوني واقتصادي لتقديم المشورة. ويهدف هذا البناء إلى إشراك أكبر عدد من القوى في القرار، لكنه يجعل اتخاذ القرارات أبطأ عند الخلاف. كما أن غياب برلمان فاعل يجتمع بانتظام يقلل الرقابة على أداء الهيئة الرئاسية والحكومة.
لماذا اندلعت الخلافات داخل القيادة؟
اندلعت الخلافات داخل مجلس القيادة الرئاسي لأن أعضاءه يمثلون قوى ذات مشاريع مختلفة، بعضها يريد دولة موحدة وبعضها يريد استعادة دولة الجنوب. وبحلول مايو 2023 أصبح ثلاثة من الأعضاء الثمانية ينتمون إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، بعد انضمام البحسني وأبو زرعة المحرمي إلى قيادته. وزاد ذلك ثقل المجلس الانتقالي داخل الهيئة الرئاسية. وفي عام 2025 صدر القانون رقم 119 الذي ينظم عمل الهيئة الرئاسية وهيئاتها المساندة.
وفي سبتمبر 2025 وصلت القيادة الجماعية إلى أخطر أزماتها منذ تأسيسها. فقد اندلع خلاف حاد بين رشاد العليمي وكتلة من أربعة أعضاء، هم الزبيدي وأبو زرعة المحرمي وطارق صالح والبحسني، حول توزيع الصلاحيات والقرارات. واستضافت الرياض محادثات لاحتواء الأزمة، وسط توقعات بأن الهيئة قد تنهار أو يُعاد تشكيلها.
وأثرت هذه الخلافات على أداء الحكومة في الخدمات والاقتصاد، إذ تأخرت الرواتب وتراجعت قيمة العملة في مناطق سيطرتها. واتهم كل طرف الآخر بتعطيل القرارات أو بالاستئثار بالموارد في المحافظات التي يسيطر عليها.
ثم جاء التحول الأكبر في ديسمبر 2025، حين سيطرت قوات المجلس الانتقالي على حضرموت والمهرة. فردت السعودية والحكومة بعملية عسكرية استعادت المحافظتين مطلع 2026، وانسحبت الإمارات من اليمن، وتغيرت موازين القوى داخل مجلس القيادة الرئاسي نفسه.
هل تكفي المناصفة لحل القضية الجنوبية؟
تختلف الآراء حول جدوى المناصفة. فقطاع واسع من الجنوبيين يرى أنها خطوة غير كافية، لأن مطلبه الأساسي استعادة دولته المستقلة، لا مجرد حصة متساوية في دولة موحدة. ويرى آخرون منهم أنها ضمانة مرحلية مقبولة إلى أن يُتفق على شكل الدولة.
أما في الشمال فيرى منتقدون أن المناصفة لا تعكس التوزيع السكاني، لأن غالبية سكان اليمن يعيشون في المحافظات الشمالية. ويرد أنصارها بأن الهدف منها سياسي، وهو بناء الثقة بعد عقود من الشعور بالإقصاء، لا تمثيل السكان بدقة. ويتفق معظم المحللين على أن المناصفة وحدها لا تكفي ما لم تُعالج قضايا الأراضي والوظائف والموارد.

صورة جماعية رسمية لأعضاء مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، حيث يقف المسؤولون بملابس رسمية وتقليدية يمنية داخل قاعة فخمة وأمامهم العلم الوطني اليمني. تعكس هذه الصورة المشهد السياسي الراهن في البلاد وتمثيل القيادة العليا المسؤولة عن إدارة شؤون الدولة في المرحلة الانتقالية.
الوضع اليوم: من يقود مجلس القيادة الرئاسي عام 2026؟
يقود رشاد العليمي مجلس القيادة الرئاسي عام 2026، بعد تغييرات جذرية في عضويته. ففي 7 يناير 2026 أُعفي عيدروس الزبيدي من عضوية مجلس القيادة الرئاسي، وأحيل إلى النائب العام بتهمة الخيانة العظمى. وأعلنت الهيئة الرئاسية بعد ذلك استعادة السيطرة الكاملة على المناطق التي كان يسيطر عليها المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة وعدن. وفي 15 يناير أُعفي فرج البحسني، استناداً إلى عجز صحي دائم وإخلال بالواجبات الدستورية، وفق القرار الرسمي.
وفي اليوم نفسه أصدر العليمي القرار رقم 4 لعام 2026، بتعيين الفريق محمود الصبيحي والدكتور سالم الخنبشي عضوين جديدين. وكلاهما من الجنوب، فالصبيحي من لحج والخنبشي محافظ سابق لحضرموت، ما حافظ على مبدأ المناصفة. كما استقال رئيس الحكومة سالم بن بريك، وكُلف وزير الخارجية شائع الزنداني بتشكيل حكومة جديدة. وتزامن ذلك مع دعم سعودي بقيمة 90 مليون دولار لدفع رواتب شهرين للموظفين المدنيين والعسكريين.
وفي المقابل يدير الحوثيون في صنعاء سلطة موازية عبر المجلس السياسي الأعلى برئاسة مهدي المشاط. ولهم حكومة يقودها رئيس وزراء بالإنابة منذ أغسطس 2025، بعد مقتل رئيس حكومتهم أحمد الرهوي في غارة إسرائيلية. وفي الجنوب، أُعلن في الرياض حل المجلس الانتقالي، لكن متحدثاً باسمه مقيماً في الإمارات نفى ذلك. وخرجت تجمعات مؤيدة له في عدن، ثم أعاد أنصاره تنظيم صفوفهم باسم جديد. ويواجه مجلس القيادة الرئاسي تحديات كبيرة، أبرزها توحيد القوات العسكرية، ومعالجة القضية الجنوبية بعد حل المجلس الانتقالي، وتحسين الخدمات في المناطق الخاضعة لسيطرته.
الخلاصة
مجلس القيادة الرئاسي هيئة جماعية تقود الحكومة اليمنية منذ 2022، وتقوم على المناصفة بين الشمال والجنوب التي نصت عليها مخرجات الحوار الوطني واتفاق الرياض. وقد عصفت به خلافات حادة انتهت مطلع 2026 بإعفاء عضوين من المجلس الانتقالي وتعيين بديلين جنوبيين. ويبقى نجاحه مرهوناً بقدرته على توحيد القوى العسكرية ومعالجة القضية الجنوبية بصورة يقبلها الطرفان، وتحظى بدعم إقليمي ودولي واضح.
الأسئلة الشائعة
من يرأس مجلس القيادة الرئاسي؟
يرأس الهيئة رشاد محمد العليمي منذ تأسيسها في أبريل 2022. وهو سياسي وأكاديمي من محافظة تعز، شغل سابقاً منصبي وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء في عهد الرئيس علي عبد الله صالح. ويتمتع رئيس مجلس القيادة الرئاسي بصلاحيات رئيس الجمهورية، لكنه يتخذ القرارات الكبرى بالتوافق مع بقية الأعضاء.
كم عدد أعضاء مجلس القيادة الرئاسي؟
يتكون مجلس القيادة الرئاسي من ثمانية أعضاء، هم الرئيس وسبعة نواب له، أربعة منهم من الشمال وأربعة من الجنوب. ورغم تغير بعض الأسماء عام 2026، حافظت التعيينات الجديدة على هذا التوازن العددي بين الشطرين.
ما هي القضية الجنوبية؟
القضية الجنوبية مصطلح يشير إلى مطالب أبناء جنوب اليمن بمعالجة ما يرونه تهميشاً وإقصاءً منذ حرب 1994. وتشمل هذه المطالب التسريح القسري والاستيلاء على الأراضي وضعف المشاركة في السلطة والثروة. وتتراوح الحلول المطروحة بين المناصفة والدولة الاتحادية، وصولاً إلى مطالب استعادة الدولة الجنوبية المستقلة.
ما معنى «الجنوب العربي»؟
الجنوب العربي اسم استُخدم في الحقبة البريطانية، حين أُنشئ «اتحاد الجنوب العربي» عام 1962 من عدد من السلطنات والإمارات. واستمر هذا الاتحاد حتى استقلال الجنوب عام 1967. ويستخدم جزء من الحراك الجنوبي اليوم تسمية «دولة الجنوب العربي» للدولة التي يطالب باستعادتها، بينما يرفض آخرون التسمية ويفضلون الإشارة إلى اليمن الجنوبي.









