نمط الحياة

كيف تستخدم إيران العملات الرقمية لتجاوز العقوبات؟

تستخدم إيران العملات الرقمية بثلاث طرق رئيسية: تعدين البيتكوين بالكهرباء المدعومة، وتسوية جزء من التجارة الخارجية بالعملات المستقرة، ونقل الأموال عبر منصات تداول محلية وأجنبية. وبدأ هذا التوجه يتسارع بعد عام 2018، حين سعت الولايات المتحدة إلى عزل البنوك الإيرانية عن نظام سويفت بالكامل. وبلغت قيمة سوق العملات الرقمية في إيران نحو 7.8 مليار دولار عام 2025، لكن العقوبات الأمريكية بدأت تستهدفها مباشرة منذ 2026.

كتبه عمر حداد

المحتويات
العملات الرقمية في إيران (Cryptocurrency in Iran): علم إيران يندمج مع رموز عملتي البيتكوين والتيثر الرقمية المصممة كلوحات دوائر إلكترونية.

لماذا لجأت إيران إلى العملات الرقمية؟

لجأت إيران إلى هذه الأصول لأن العقوبات أغلقت أمامها معظم القنوات المصرفية التقليدية. ففي أكتوبر 2018، قبل أيام من عودة العقوبات الأمريكية، سعى أعضاء في الكونغرس بقيادة السيناتور تيد كروز إلى إصدار قانون جديد. وكان القانون يلزم الإدارة بقطع وصول إيران إلى نظام سويفت بصورة دائمة. وكان المشروع يستهدف أيضاً أي جهة تساعد طهران على استخدام الأصول المشفرة للالتفاف على العقوبات.

وكشف هذا النقاش عن خلاف داخل واشنطن نفسها. فقد تحفظت وزارة الخزانة في البداية على فصل إيران الكامل عن الشبكة. وكانت تخشى أن يدفع ذلك دولاً أخرى إلى بناء أنظمة دفع بديلة تضعف مكانة الدولار. لكن الشبكة علّقت في نوفمبر 2018 وصول بنوك إيرانية إليها، تحت الضغط الأمريكي.

وجاءت العقوبات الأمريكية حينها على دفعتين: الأولى في أغسطس 2018 واستهدفت قطاعات السيارات والمعادن والذهب، والثانية في نوفمبر واستهدفت النفط والبنوك والشحن. وكانت الدفعة الثانية الأشد، لأنها مست مصادر العملة الأجنبية مباشرة.

وفي الشهر نفسه أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية لأول مرة عناوين محافظ بيتكوين في قائمة العقوبات، وكانت مرتبطة بإيرانيين متهمين بهجمات فدية إلكترونية. وفي المقابل بدأ مسؤولون إيرانيون يتحدثون علناً عن العملات الرقمية بوصفها وسيلة لمواجهة العقوبات، فتحولت من نشاط فردي إلى ملف رسمي.

كيف يعمل تعدين البيتكوين في إيران؟

يعمل هذا القطاع في إيران وفق قانون صدر عام 2019، يسمح بالتعدين بترخيص بشرط أن يبيع المعدنون ما ينتجونه إلى البنك المركزي. ويعتمد القطاع على الكهرباء المدعومة، التي تجعل تكلفة الإنتاج أقل بكثير من معظم دول العالم. وتُستخدم العملات المنتجة بعد ذلك في تمويل الواردات، بعيداً عن المصارف الخاضعة للعقوبات.

وتشير التقديرات إلى أن حصة إيران من التعدين العالمي بلغت 3.4% مطلع 2020 وفق جامعة كامبريدج. ثم ارتفعت إلى 4.5% عام 2021 وفق شركة إليبتك، بعائدات تقارب مليار دولار سنوياً. لكن الحصة تراجعت إلى نحو 3.1% عام 2024، مع تشديد القيود وانقطاع الكهرباء. ويعرض الجدول التالي أبرز المحطات:

السنة

المؤشر

2019

تقنين التعدين بترخيص وبيع الإنتاج للبنك المركزي

2020

حصة 3.4% من التعدين العالمي

2021

حصة 4.5% وحظر مؤقت بسبب انقطاع الكهرباء

2024

حصة نحو 3.1% وتدفقات خارجة بقيمة 4.18 مليار دولار

2025

قيمة السوق 7.78 مليار دولار واختراق منصة نوبيتكس

2026

عقوبات أمريكية على أكبر منصات التداول الإيرانية

المصدر: جامعة كامبريدج، وشركات إليبتك وتشيناليسيس، وغلف نيوز، ومواقع متخصصة.

ويتضح من الجدول أن القطاع نما بسرعة، لكنه أصبح أكثر عرضة للضغوط الداخلية والخارجية.

ويرجع انجذاب المعدّنين إلى إيران إلى سعر الكهرباء المنخفض جداً بسبب الدعم الحكومي، إذ تمثل الكهرباء التكلفة الأكبر في هذا النشاط. وتشير تقارير إلى أن مزارع تعدين مرتبطة بجهات نافذة تحصل على الكهرباء مجاناً تقريباً، ما يزيد الضغط على الشبكة دون أن يدخل خزينة الدولة شيء.

وتسبب التعدين في مشكلات كبيرة لشبكة الكهرباء. ففي مايو 2021 أعلن الرئيس حسن روحاني حظر التعدين حتى 22 سبتمبر، بعد موجة انقطاعات في المدن الكبرى. وقالت شركة الكهرباء حينها إن المراكز المرخصة، وعددها 50 مركزاً، تستهلك 209 ميغاواط. لكن الجزء الأكبر من التعدين كان يعمل دون ترخيص، ويستهلك كهرباء أكثر بكثير.

كيف تُستخدم العملات المشفرة في التجارة الإيرانية؟

البيتكوين في إيران (Bitcoin in Iran): عملة بيتكوين رقمية مدمجة مع شعار وألوان علم إيران على خلفية سوداء وخضراء بتصميم تقني.

تصميم رسومي رقمي يعرض عملة "البيتكوين" (Bitcoin) الافتراضية مدمجة بشكل إبداعي مع ألوان وشعار علم الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

تُستخدم العملات المشفرة في التجارة الإيرانية لتسوية صفقات لا تستطيع البنوك تنفيذها. ففي أغسطس 2022 أعلنت إيران، وفق وكالة تسنيم، تنفيذ أول طلب استيراد رسمي مدفوع بالعملات الرقمية بقيمة 10 ملايين دولار. ومنذ ذلك الحين توسع استخدام العملات المستقرة المرتبطة بالدولار، لأنها لا تتعرض للتقلبات الحادة التي تشهدها الأصول الأخرى.

وتعمل هذه الآلية عادة عبر وسطاء. فالمستورد يدفع ثمن البضاعة بالريال لوسيط داخل إيران، فيشتري الوسيط عملات مستقرة. ثم يحوّلها إلى محفظة المورد، أو إلى مكتب صرافة في دولة مجاورة يسلّم المورد المبلغ بعملته المحلية. ويتجنب هذا المسار البنوك تماماً، لكنه يرفع التكلفة ويعرّض الطرفين لمخاطر الاحتيال والتجميد.

وتشير شركة إليبتك إلى أن البنك المركزي الإيراني جمع ما لا يقل عن 507 ملايين دولار من عملة مستقرة مرتبطة بالدولار عام 2025. وكان الهدف دعم الريال وتسوية التجارة. كما تتبعت شركة تي آر إم لابز تدفقات بقيمة 3.84 مليار دولار عبر منصة تداول دولية. واتجهت هذه الأموال منذ 2019 إلى أكثر من 60 جهة إيرانية خاضعة للعقوبات. ونقلت شبكات تساعد إيران على بيع النفط أكثر من 100 مليون دولار بالأصول المشفرة بين عامي 2023 و2025.

ولا يقتصر الأمر على الحكومة. فالمواطنون الإيرانيون يستخدمون العملات الرقمية للادخار وحماية أموالهم من انهيار الريال، وتجاوزت التدفقات الخارجة من المنصات الإيرانية 4.18 مليار دولار عام 2024، بزيادة 70%. ويعكس ذلك فقدان الثقة بالعملة المحلية أكثر مما يعكس استراتيجية حكومية.

ماذا حدث في اختراق منصة نوبيتكس؟

في 18 يونيو 2025 تعرضت منصة نوبيتكس، أكبر منصة تداول من نوعها في إيران، لهجوم إلكتروني خلال الحرب بين إيران وإسرائيل. وأعلنت مجموعة «العصفور المفترس» مسؤوليتها، ونقلت أصولاً بقيمة تقارب 90 مليون دولار إلى محافظ لا يملك أحد مفاتيحها، ما يعني إحراقها فعلياً. ويرى محللون أن المجموعة مرتبطة بإسرائيل.

وبررت المجموعة الهجوم باتهام المنصة بمساعدة السلطات الإيرانية على تجاوز العقوبات وتمويل جهات خاضعة لها. ونفت المنصة هذه الاتهامات، وقالت إن التأخر في الاستجابة سببه انقطاع الإنترنت داخل إيران. كما رصدت شركات تحليل البلوكتشين ارتفاعاً حاداً في سحب الأموال من المنصات الإيرانية بعد الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية. وانخفضت القدرة الحاسوبية لشبكة التعدين العالمية بنحو 15% بعد تلك الضربات، وهو أكبر تراجع منذ ثلاث سنوات، ما أثار تكهنات بتوقف مزارع إيرانية.

وتزامن الهجوم مع هجوم آخر عطّل خدمات بنك سبه الحكومي، ما ضاعف الضغط على المعاملات المالية في البلاد خلال الحرب.

وكشف الاختراق هشاشة البنية التي تعتمد عليها إيران. فالأصول المشفرة قد تتجاوز البنوك، لكن المنصات التي تحتفظ بها تبقى أهدافاً واضحة للهجمات الإلكترونية والعقوبات، شأنها شأن المصارف التقليدية.

ما مخاطر الأصول المشفرة على الاقتصاد الإيراني؟

تحمل هذه الأصول مخاطر واضحة على الاقتصاد الإيراني رغم فوائدها في تجاوز العقوبات. فالتعدين يستهلك كهرباء تحتاجها المنازل والمصانع، ويساهم في انقطاعات الصيف التي تعطل الإنتاج وتثير غضب الناس. كما أن الكهرباء المدعومة التي يستخدمها المعدّنون تعني عملياً أن الدولة تدعم نشاطاً لا تعود عائداته كلها إلى الاقتصاد الرسمي.

وتسهّل الأصول المشفرة أيضاً خروج رؤوس الأموال من البلاد، وهو ما تحاول الحكومات عادة منعه في أوقات الأزمات بفرض قيود على تحويل العملة. فعندما يحوّل المواطنون مدخراتهم إلى عملات مستقرة ويخرجونها من المنصات المحلية، تخسر البنوك الإيرانية ودائع كان يمكن استخدامها في الإقراض. ويزيد ذلك الضغط على الريال بدلاً من تخفيفه.

كما يفتقر المتداولون الإيرانيون إلى حماية حقيقية. فالمنصات المحلية معرضة للاختراق والعقوبات، ولا توجد جهة تضمن أموال المستخدمين إذا توقفت منصة عن العمل. وتجعل القواعد المتغيرة، مثل حظر الإعلانات وقيود البنك المركزي، التخطيط طويل الأجل صعباً على الشركات العاملة في القطاع.

الوضع اليوم: هل ما زالت العملات الرقمية مخرجاً لإيران؟

أصبحت هذه الأصول عام 2026 هدفاً مباشراً للعقوبات الأمريكية، بعد سنوات من التعامل معها بوصفها ثغرة ثانوية. ففي أبريل 2026 صادرت وزارة الخزانة الأمريكية أصولاً رقمية مرتبطة بإيران بقيمة تقارب 500 مليون دولار. وفي يونيو فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية عقوبات على منصات نوبيتكس ووالكس وبيت بين ورمزينكس.

وفي أغسطس 2026 أدرجت حزمة عقوبات أمريكية جديدة الأصول الرقمية صراحة ضمن أهدافها لأول مرة. وتقدّر شركة تشيناليسيس أن محافظ مرتبطة بالحرس الثوري تلقت أكثر من 3 مليارات دولار في الربع الأخير من 2025 وحده. كما خضعت منصة تداول دولية كبرى للتدقيق في يونيو 2026، بعد أن تتبع محللون تدفقات ضخمة عبرها إلى جهات إيرانية مدرجة في قوائم العقوبات. وفي المقابل شددت إيران رقابتها الداخلية، فحظرت في فبراير 2025 كل الإعلانات المتعلقة بتداول الأصول الرقمية.

وتزامنت هذه الضغوط مع انهيار جديد للعملة الإيرانية، إذ تجاوز سعر الدولار مليوني ريال في 24 أغسطس 2026. ويدفع ذلك مزيداً من الإيرانيين إلى نقل مدخراتهم من المنصات المحلية إلى محافظ شخصية لا تستطيع أي جهة تجميدها.

ويعني ذلك أن العملات الرقمية ما زالت قناة مهمة لإيران، لكنها لم تعد آمنة كما كانت. فشركات تحليل البلوكتشين تستطيع تتبع معظم المعاملات، والمنصات الدولية تخشى العقوبات الثانوية. ولذلك يتوقع خبراء أن تنتقل المعاملات أكثر نحو المحافظ الشخصية والشبكات غير الرسمية، الأصعب في التتبع.

الخلاصة

تستخدم إيران العملات الرقمية لتجاوز العقوبات عبر تعدين البيتكوين، والعملات المستقرة في التجارة، ومنصات التداول المحلية. وقد نمت هذه القناة منذ محاولة عزل إيران عن الشبكة المصرفية الدولية عام 2018، حتى بلغت قيمتها نحو 7.8 مليار دولار عام 2025. لكن اختراق أكبر منصة إيرانية والعقوبات الأمريكية على المنصات عام 2026 أظهرت أن العملات الرقمية لم تعد ثغرة مفتوحة كما كانت.

الأسئلة الشائعة

ما الفرق بين العملات الرقمية والعملات المشفرة؟

العملات الرقمية مصطلح واسع يشمل كل أشكال النقود الإلكترونية، بما فيها النقود الإلكترونية التي تصدرها البنوك المركزية. أما العملات المشفرة فنوع منها يعتمد على التشفير وتقنية البلوكتشين، ولا تصدرها جهة مركزية، مثل البيتكوين والإيثيريوم. ولذلك تكون كل عملة مشفرة رقمية، لكن ليست كل عملة رقمية مشفرة.

هل يمكن تتبع معاملات البيتكوين؟

نعم، يمكن تتبعها في معظم الحالات، لأن كل معاملة تُسجل في سجل عام يستطيع أي شخص الاطلاع عليه. وتستخدم شركات متخصصة تقنيات تحليل لربط عناوين المحافظ بأشخاص أو منصات محددة. ولهذا تمكنت السلطات الأمريكية من تحديد محافظ مرتبطة بجهات إيرانية ومصادرة أصول منها.

ما هو تعدين العملات الرقمية؟

التعدين عملية تستخدم فيها أجهزة حاسوب متخصصة لحل عمليات حسابية معقدة، تؤكد صحة المعاملات وتضيفها إلى السجل العام. ويحصل المعدّن مقابل ذلك على عملات جديدة. ويستهلك التعدين كميات ضخمة من الكهرباء، لذلك ينتشر في الدول ذات الطاقة الرخيصة أو المدعومة مثل إيران.