ما أهمية ميناء الحديدة في حرب اليمن والبحر الأحمر؟
يُعد ميناء الحديدة أهم منفذ لليمن على العالم، إذ يمر عبره نحو 70% من الواردات التجارية و80% من المساعدات الإنسانية، وفق الأمم المتحدة. ولذلك تحول منذ 2017 إلى هدف عسكري رئيسي، ثم إلى محور اتفاق سلام أممي عام 2018. وبعد هجمات الحوثيين على السفن، قصفته إسرائيل والولايات المتحدة مراراً. وفي 2026 انتهت مهمة البعثة الأممية الخاصة به، بينما عادت الحرب الإقليمية لتهدد عمله.

لماذا يُعد ميناء الحديدة شريان اليمن؟
يُعد ميناء الحديدة شريان اليمن لأن معظم سكان البلاد يعيشون في مناطق تعتمد عليه في الغذاء والوقود والدواء. فوفق مراجعة للأمين العام للأمم المتحدة في يونيو 2025، يمر عبر الميناء وحده نحو 70% من الواردات التجارية و80% من المساعدات الإنسانية. وهو ثاني أكبر مرفأ يمني على الساحل الغربي والجنوبي بعد عدن.
وتضم محافظة الحديدة على الساحل الغربي ثلاثة موانئ متكاملة، ويقدر عدد سكانها بنحو 4.4 ملايين نسمة، يعمل كثير منهم في الصيد والزراعة في سهل تهامة. الأول هو الميناء الرئيسي الذي يستقبل الحاويات والمواد الغذائية، والثاني ميناء رأس عيسى المخصص للنفط والوقود، والثالث ميناء الصليف الذي يستقبل الحبوب بشكل أساسي. وتعمل الموانئ الثلاثة معاً لتأمين احتياجات شمال البلاد. ويعود تاريخ ميناء الحديدة الحديث إلى ستينيات القرن الماضي، حين بُني بدعم سوفيتي ليصبح المنفذ البحري الرئيسي لليمن الشمالي. وتقع العاصمة صنعاء على بعد نحو 230 كيلومتراً منه.
ويخضع ميناء الحديدة لسيطرة الحوثيين منذ 2014، ما جعله مصدراً مهماً لإيراداتهم من الرسوم الجمركية والضرائب على الوقود والبضائع. وتتهم الحكومة اليمنية الجماعة باستخدام هذه الإيرادات في تمويل الحرب بدلاً من دفع رواتب الموظفين. أما الحوثيون فيتهمون التحالف بفرض قيود على السفن تؤخر وصول الوقود. ولهذا رأت الحكومة اليمنية والتحالف بقيادة السعودية أن السيطرة عليه قد تغير موازين الحرب. في المقابل حذرت الأمم المتحدة من أن أي قتال حوله سيهدد حياة ملايين المدنيين.

كيف تحول الميناء إلى هدف عسكري عام 2017؟
تحول الميناء إلى هدف عسكري عام 2017 مع تغير الموقف الأمريكي من الحرب. ففي ذلك العام كتب الصحفي السعودي عبد الرحمن الراشد أن التنسيق بين التحالف والولايات المتحدة عاد بعد توقف خلال العام الأخير لإدارة باراك أوباما. ورأى أن زيارة ولي ولي العهد السعودي حينها، الأمير محمد بن سلمان، إلى واشنطن في مارس 2017 أسفرت عن استئناف تزويد التحالف بالذخيرة والمعلومات الاستخباراتية.
وأشار الراشد أيضاً إلى تقدم القوات الحكومية في جبهة نهم شرق صنعاء، وإحباط هجوم بزوارق حوثية قرب ميناء ميدي في محافظة حجة. واعتبر ذلك دليلاً على أن ميزان الحرب بدأ يميل لصالح التحالف.
وتزامن ذلك مع تقدم القوات الحكومية على الساحل الغربي، إذ سيطرت مطلع 2017 على ميناء المخا جنوب المدينة. وتوقع الراشد أن يكون الهجوم المقبل على ميناء الحديدة حاسماً، مشيراً إلى اتهامات للحوثيين باستخدامه في تهريب الأسلحة من إيران. ونفت جماعة الحوثيين هذه الاتهامات. في المقابل أكدت الأمم المتحدة أنها تفتش الشحنات المتجهة إلى ميناء الحديدة وبقية الموانئ عبر آلية خاصة أنشأتها عام 2016، للتأكد من خلوها من الأسلحة. وتمر السفن عبر هذه الآلية قبل حصولها على إذن الدخول، ما يستغرق أحياناً أياماً أو أسابيع.
وفي المقال نفسه أشار الراشد إلى أن المبعوث الأممي يسعى إلى تسوية تقوم على ثلاث مرجعيات: قرار مجلس الأمن 2216، والمبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني. ورأى أن الضغط العسكري سيساعد على فرض هذه التسوية. لكن الأحداث اللاحقة أظهرت أن المعركة على الساحل الغربي كانت أصعب مما توقعه كثيرون.
ماذا حدث في معركة 2018 واتفاق ستوكهولم؟
في يونيو 2018 أطلقت قوات يمنية مدعومة من التحالف عملية عسكرية واسعة باتجاه المدينة الساحلية، ووصلت إلى أطرافها خلال أسابيع. وحذرت الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة من أن معركة داخل المدينة أو حول الميناء قد تقطع الغذاء عن ملايين اليمنيين، وتدفع البلاد إلى مجاعة واسعة.
وتحت هذا الضغط عُقدت مفاوضات في السويد، انتهت في 13 ديسمبر 2018 بتوقيع اتفاق ستوكهولم بين الحكومة والحوثيين. ونص الاتفاق على وقف إطلاق النار في المدينة وموانئها الثلاثة، وإعادة انتشار القوات خارجها، إضافة إلى تبادل الأسرى وتفاهمات حول تعز. وفي يناير 2019 أنشأ مجلس الأمن بعثة أممية لدعم الاتفاق، كُلفت بقيادة لجنة تنسيق إعادة الانتشار. وأوقف الاتفاق المعركة حول ميناء الحديدة، لكن تنفيذ بنود إعادة الانتشار تعثر لسنوات بسبب الخلاف على الجهة التي ستدير الأمن في الموانئ.
ويلخص الجدول التالي أبرز المحطات في تاريخ الميناء خلال الحرب:
التاريخ | الحدث |
|---|---|
2014 | سيطرة الحوثيين على المدينة وموانئها |
2016 | إنشاء آلية أممية لتفتيش الشحنات المتجهة إلى اليمن |
2017 | سيطرة القوات الحكومية على ميناء المخا |
يونيو 2018 | هجوم واسع على الساحل الغربي |
ديسمبر 2018 | توقيع اتفاق السويد |
يناير 2019 | إنشاء البعثة الأممية لدعم الاتفاق |
يوليو 2024 | أول ضربة إسرائيلية على الميناء |
مايو 2025 | ضربات إسرائيلية دمرت جزءاً كبيراً من الأرصفة |
مارس 2026 | انتهاء مهمة البعثة الأممية |
المصدر: تقرير مجلس الأمن، وويكيبيديا، ومركز سوث24، ووكالة رويترز.
ويتضح من الجدول أن الميناء تحول من ساحة معركة برية إلى هدف لضربات جوية إقليمية بعد 2023.
كيف أثرت هجمات البحر الأحمر على الميناء؟
أثرت الهجمات البحرية على الميناء بشدة منذ أواخر 2023، حين بدأ الحوثيون استهداف السفن التجارية وإطلاق صواريخ ومسيرات نحو إسرائيل. فردت الولايات المتحدة وبريطانيا بضربات على مواقع الحوثيين منذ يناير 2024، ثم دخلت إسرائيل على الخط. ويقول الحوثيون إن هجماتهم تأتي تضامناً مع غزة. أما إسرائيل فتقول إن ضرباتها رد على الصواريخ والمسيرات التي تستهدف مدنها ومطاراتها، ومنها هجوم قرب مطار بن غوريون في مايو 2025. وفي 20 يوليو 2024 قصفت إسرائيل منشآت النفط ومحطة كهرباء في ميناء الحديدة، ما أدى إلى حريق كبير ومقتل ستة أشخاص وإصابة 87.
وتكررت الضربات الإسرائيلية في ديسمبر 2024 ويناير 2025، ثم في 6 مايو 2025، حين قدرت مصادر الأضرار بنحو 70% من الأرصفة الخمسة والمستودعات ومنطقة الجمارك. كما قصفت الولايات المتحدة ميناء رأس عيسى النفطي في أبريل 2025. وفي 7 يوليو 2025 استهدفت إسرائيل الموانئ الثلاثة معاً، إضافة إلى السفينة «غالاكسي ليدر» التي احتجزها الحوثيون عام 2023.
وانعكس ذلك على حركة الملاحة الإقليمية. فقد تراجعت حركة السفن عبر مضيق باب المندب إلى نحو 31 سفينة يومياً منذ يناير 2024، مقارنة بنحو 75 سفينة قبل الأزمة. وارتفعت تكاليف التأمين والشحن إلى الموانئ اليمنية، ما رفع أسعار الغذاء والوقود على المستهلكين. وتراجعت القدرة التشغيلية لميناء الحديدة بنحو 70% بحلول يناير 2025، وفق بيانات نشرتها منصة ريليف ويب، حتى قبل الضربات الأمريكية اللاحقة. وفتح ذلك نقاشاً حول دور أكبر لميناء عدن الخاضع للحكومة، الذي يملك أرصفة أوسع وطاقة استيعابية أكبر لكنه أبعد عن مراكز السكان في الشمال.
هل توجد بدائل للمرفأ؟

مشهد نهاري يبرز البنية التحتية في ميناء الحديدة الاستراتيجي باليمن، حيث تظهر رافعة جسرية صفراء ضخمة على رصيف خرساني مخصص لعمليات الشحن والتفريغ. يمر في المشهد قارب بحري صغير عبر المياه الهادئة، بينما تظهر رافعات وسفن أخرى في الأفق، مما يعكس النشاط الملاحي المستمر وأهمية الميناء كعصب رئيسي للتجارة والإمدادات.
توجد بدائل جزئية لميناء الحديدة، لكنها لا تعوضه بالكامل. فميناء عدن الخاضع للحكومة هو الأكبر في اليمن، ويستقبل حاويات ومشتقات نفطية للمحافظات الجنوبية والشرقية. ويرى مركز سوث24 أن تراجع قدرة المرفأ الشمالي يفتح الباب أمام عدن لاستعادة موقعها التاريخي بوصفها الميناء الرئيسي للبلاد.
لكن نقل البضائع من عدن إلى صنعاء والمحافظات الشمالية يمر عبر خطوط تماس ونقاط تفتيش متعددة، ما يرفع التكلفة ويطيل الوقت. كما تُستخدم موانئ المكلا والمخا ومنافذ برية مع السعودية وعُمان، لكن قدرتها محدودة مقارنة بحجم الطلب. ولذلك يبقى ميناء الحديدة المنفذ الأقرب والأرخص لنحو ثلثي سكان اليمن.
الوضع اليوم: أين يقف ميناء الحديدة عام 2026؟
يقف ميناء الحديدة عام 2026 في وضع أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فقد تبنى مجلس الأمن في 27 يناير 2026 قراراً بتمديد مهمة البعثة الأممية لدعم الاتفاق مدة أخيرة، انتهت في 31 مارس 2026. وأيدت الإدارة الأمريكية إنهاء البعثة، التي واجهت صعوبات كبيرة في أداء مهامها. وكانت الولايات المتحدة قد شنت بين مارس ومايو 2025 حملة ضربات مكثفة على الحوثيين، توقفت بعد وقف لإطلاق النار توسطت فيه سلطنة عُمان.
وكانت هجمات الحوثيين البحرية قد توقفت في أكتوبر 2025 مع بدء خطة السلام في غزة. لكنها استؤنفت في مارس 2026 ضد إسرائيل، ثم في يوليو ضد السعودية، ضمن الحرب الإقليمية مع إيران. وفي سبتمبر 2026 تجددت الاشتباكات بين القوات الحكومية والحوثيين، ما أعاد شبح المعارك حول الساحل الغربي.
كما زادت الحرب الإقليمية أهمية الممر البحري الغربي لدول الخليج، بعد أن تحولت بعض صادراتها ووارداتها إليه بسبب اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. وكانت الأمم المتحدة قد توقعت أزمة غذائية واسعة بين سبتمبر 2025 وفبراير 2026. وقدّرت أن نحو 18.1 مليون يمني، أي قرابة 52% من السكان، سيواجهون مستوى الأزمة أو أسوأ. وفي المقابل أنهى برنامج الأغذية العالمي عملياته في مناطق الحوثيين، ما يجعل الواردات التجارية عبر ميناء الحديدة أكثر أهمية لملايين اليمنيين في الشمال.
الخلاصة
يمر عبر ميناء الحديدة معظم ما يحتاجه اليمنيون من غذاء ووقود ومساعدات، ولذلك كان محور الصراع منذ 2017. وقد أوقف اتفاق ستوكهولم معركة 2018، لكن الهجمات البحرية جعلت المرفأ هدفاً لضربات إسرائيلية وأمريكية متكررة. ومع انتهاء البعثة الأممية وتجدد الحرب الإقليمية عام 2026، يبقى استقرار الميناء شرطاً أساسياً لتجنب كارثة إنسانية أكبر في اليمن.
الأسئلة الشائعة
ما هو اتفاق ستوكهولم؟
هو اتفاق وقعته الحكومة اليمنية والحوثيون في السويد في 13 ديسمبر 2018 برعاية الأمم المتحدة. وقاد المفاوضات حينها المبعوث الأممي مارتن غريفيث. ونص على وقف إطلاق النار في المدينة وموانئها الثلاثة، وإعادة انتشار القوات، وتبادل الأسرى، وتفاهمات حول مدينة تعز. وقد أوقف معركة واسعة حول الميناء، لكن كثيراً من بنوده لم يُنفذ بالكامل.
ما الفرق بين ميناء الحديدة وميناء رأس عيسى وميناء الصليف؟
المرفأ الرئيسي يستقبل الحاويات والبضائع العامة والمواد الغذائية، وهو الأكبر بين الثلاثة. أما رأس عيسى، الواقع شمال المدينة، فمخصص لاستيراد الوقود والمشتقات النفطية. ويستقبل الصليف الحبوب بشكل رئيسي، ما يجعل الموانئ الثلاثة منظومة واحدة لتأمين الغذاء والطاقة.
لماذا يهم باب المندب للتجارة العالمية؟
يربط هذا المضيق، الذي لا يتجاوز عرضه نحو 30 كيلومتراً في أضيق نقطة، البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. ويمر عبره جزء كبير من التجارة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. ولذلك تؤدي أي هجمات أو توترات قرب السواحل اليمنية إلى تحويل السفن نحو رأس الرجاء الصالح، ما يطيل الرحلات ويرفع تكاليف الشحن عالمياً.








