نمط الحياة

لماذا تعثرت الوحدة اليمنية؟ تاريخ الحروب بين الشمال والجنوب

تعثرت الوحدة اليمنية لأنها جمعت عام 1990 دولتين مختلفتين في النظام والاقتصاد والتحالفات، دون دمج حقيقي للجيشين والمؤسسات. وقد سبقتها حربان بين الشطرين عامي 1972 و1979، ثم تلتها حرب صيف 1994 بعد أربع سنوات فقط. ومنذ ذلك الحين بقيت مطالب الجنوب حاضرة، من الحراك الجنوبي عام 2007 إلى الصراعات المسلحة التي امتدت حتى مطلع 2026.

كتبه الهاشمي فاطمة

المحتويات
انقسام اليمن (Yemen Division): نصب حجري مشقوق يحمل علمي اليمن الشمالي والجنوبي.

كيف نشأت دولتا اليمن قبل الوحدة؟

نشأت دولتا اليمن في ستينيات القرن الماضي في ظروف مختلفة تماماً. ففي الشمال تأسست الجمهورية العربية اليمنية بعد ثورة 1962 على حكم الإمامة، وارتبطت لاحقاً بعلاقات وثيقة مع السعودية. وعُرفت هذه الدولة في الإعلام باسم اليمن الشمالي، وكانت عاصمتها صنعاء.

أما الجنوب فخضع للنفوذ البريطاني منذ احتلال عدن عام 1839، وبقي محمية بريطانية حتى عام 1967. وفي ذلك العام نال استقلاله، وتأسست فيه جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وعاصمتها عدن. وتبنت الدولة الجديدة سياسات ماركسية منذ عام 1970، وارتبطت بالاتحاد السوفيتي. ولذلك وقفت الدولتان على طرفي الحرب الباردة، رغم الروابط الاجتماعية والتاريخية الوثيقة بين سكانهما.

ومع ذلك رفعت الدولتان شعار الوحدة اليمنية هدفاً وطنياً منذ نشأتهما. فقد تنقل آلاف اليمنيين بين الشطرين للعمل والدراسة، واحتفظت عائلات كثيرة بروابط في الجانبين. وكانت الخلافات الأيديولوجية بين الشمال المحافظ والجنوب الماركسي هي العائق الأكبر أمام التوحيد، لا الهوية المشتركة.

ما هي الحروب بين الشمال والجنوب قبل الوحدة؟

اندلعت حربان رئيسيتان بين الشطرين قبل الوحدة. ففي أكتوبر 1972 اندلع قتال قصير، تلقى فيه الشمال دعماً سعودياً والجنوب دعماً سوفيتياً. وانتهى باتفاق القاهرة في 28 أكتوبر 1972، الذي وضع لأول مرة خطة لتوحيد الدولتين.

ثم تجدد القتال في فبراير ومارس 1979، وانتهى بوساطة عربية واتفاق جديد على مواصلة مساعي الوحدة. واستضافت الكويت في مارس من ذلك العام قمة جمعت قيادتي الشطرين لهذا الغرض. وفي يناير 1986 شهد الجنوب نفسه حرباً داخلية دامية بين أجنحة الحزب الاشتراكي الحاكم، أضعفت الدولة الجنوبية وقللت قدرتها على مواجهة الأزمات الاقتصادية. ويعرض الجدول التالي أبرز المحطات:

السنة

الحدث

النتيجة

1962

ثورة في الشمال

قيام نظام جمهوري في الشمال

1967

استقلال الجنوب عن بريطانيا

قيام الدولة الجنوبية

1972

حرب بين الشطرين

اتفاق القاهرة للوحدة

1979

حرب ثانية

اتفاق على مواصلة مساعي الوحدة

1990

إعلان الوحدة في 22 مايو

قيام الجمهورية اليمنية

1994

حرب صيف 1994

سيطرة القوات الحكومية على الجنوب

2007

ظهور الحراك الجنوبي

احتجاجات ومطالب بفك الارتباط

2015

عاصفة الحزم

استعادة عدن من قوات الحوثيين وصالح

2026

حل المجلس الانتقالي الجنوبي

عودة سؤال شكل الدولة

المصدر: ويكيبيديا، ومكتبة كلينتون الرئاسية، وموقع المونيتور، ومنصة اتفاقيات السلام.

ويتضح من الجدول أن العلاقة بين الشمال والجنوب لم تعرف استقراراً طويلاً، لا قبل التوحيد ولا بعده.

وتسارعت خطوات الوحدة اليمنية في أواخر الثمانينيات لأسباب خارجية وداخلية. فقد ضعف الاتحاد السوفيتي، الداعم الرئيسي لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وتراجعت المساعدات التي كانت تعتمد عليها. كما أنهكت حرب 1986 الدولة الجنوبية، بينما شجع اكتشاف النفط في المناطق الحدودية الطرفين على التعاون بدلاً من التنافس.

كيف تحققت الوحدة اليمنية عام 1990؟

تحققت الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، حين أُعلن تأسيس الجمهورية اليمنية وعاصمتها صنعاء. وأصبح علي عبد الله صالح، رئيس الشمال، رئيساً للدولة الجديدة، بينما أصبح علي سالم البيض، الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني في الجنوب، نائباً للرئيس. واستند التوحيد إلى مشروع دستور أُعد عام 1981، نص على حدود منزوعة السلاح وحرية التنقل بالبطاقة الشخصية. وأُقر الدستور في استفتاء شعبي عام 1991، وسط حماس واسع في الشطرين.

ونص اتفاق التوحيد على فترة انتقالية مدتها ثلاثون شهراً، يُدمج خلالها الجيشان والوزارات والعملتان. لكن الوحدة اليمنية تمت بسرعة، ولم يُدمج الجيشان والمؤسسات بصورة حقيقية. وفي انتخابات 1993 حصل الحزب الاشتراكي على 54 مقعداً فقط من أصل 301، مقابل 122 لحزب المؤتمر الشعبي العام و62 لحزب الإصلاح. وشعر الجنوبيون بأن الشراكة تحولت إلى تبعية، فغادر البيض صنعاء إلى عدن في أغسطس 1993.

وحاولت وساطات عربية احتواء الأزمة. ففي 20 فبراير 1994 وقّع الطرفان في عمّان «وثيقة العهد والاتفاق»، التي تضمنت إصلاحات إدارية وأمنية. لكن الوثيقة لم تُنفذ، وتصاعدت الاشتباكات بين وحدات الجيشين المتمركزة في مناطق الطرف الآخر.

ماذا حدث في حرب صيف 1994؟

بدأت حرب صيف 1994 رسمياً في 4 مايو، بعد اشتباكات بين وحدات عسكرية من الطرفين، وانتهت في 7 يوليو بسيطرة القوات الحكومية على عدن. وفي 21 مايو أعلن علي سالم البيض قيام «جمهورية اليمن الديمقراطية» في الجنوب، لكن أي دولة لم تعترف بها. وتراوحت تقديرات القتلى بين ألف وسبعة آلاف شخص.

ولم يبق الصراع داخلياً بالكامل. فقد أصدر مجلس الأمن الدولي في يونيو 1994 قرارين دعا فيهما إلى وقف إطلاق النار واستئناف الحوار، بينما أبدت السعودية تعاطفاً مع الموقف الجنوبي. لكن ذلك لم يمنع الحسم العسكري.

وكان من أبرز قادة القوات الحكومية في الحرب علي محسن الأحمر وعبد ربه منصور هادي، كما ساندها أنصار الرئيس الجنوبي الأسبق علي ناصر محمد. وبعد الحرب أعلن صالح عفواً عاماً استثنى 16 شخصاً، بينهم البيض ورئيس الوزراء حيدر أبو بكر العطاس.

وتركت الحرب آثاراً عميقة في الجنوب، وغيرت صورة الوحدة اليمنية في أذهان كثير من الجنوبيين. فقد أُحيل آلاف العسكريين والموظفين الجنوبيين إلى التقاعد القسري، ما أشعل احتجاجات تحولت عام 2007 إلى الحراك الجنوبي. وفي 21 مايو 2009 أعلن الرئيس الجنوبي الأسبق من الخارج تأييده لمطالب الحراك بإنهاء الوحدة.

هل وقعت «حرب ثالثة» بين الشمال والجنوب؟

خريطة اليمن (Yemen Map): خريطة طبوغرافية لليمن مغطاة بألوان العلم الوطني.

تصميم رسومي يعرض خريطة جغرافية وطبوغرافية للجمهورية اليمنية، مدمجة بوضوح مع ألوان العلم الوطني (الأحمر، الأبيض، والأسود).

في نوفمبر 2016 حذر الشيخ علي العتيبي، أحد أعيان محافظة مأرب الشمالية، في مقابلة مع صحيفة «عدن الغد» من «حرب ثالثة» بين الشمال والجنوب. ورأى أن الحل الوحيد هو العودة إلى ما قبل الوحدة اليمنية، وتوقع أن يقود الحرب المقبلة الفريق علي محسن وحزب الإصلاح. ولافت أن هذا الموقف صدر عن شخصية شمالية تؤيد مطالب الجنوب.

ولم تقع الحرب الثالثة بالصورة التي توقعها، لكن الجنوب شهد صراعات متكررة. ففي مارس 2015 تقدمت قوات الحوثيين وصالح نحو عدن، فأطلق التحالف بقيادة السعودية عملية عاصفة الحزم، واستُعيدت المدينة في يوليو من العام نفسه. ثم اندلعت اشتباكات بين المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الحكومية في عدن عامي 2018 و2019، انتهت باتفاق الرياض في نوفمبر 2019. ونص الاتفاق على مشاركة المجلس في حكومة تتقاسم فيها المحافظات الشمالية والجنوبية الحقائب الوزارية بالتساوي.

وبين عامي 2016 و2022 شغل علي محسن الأحمر منصب نائب الرئيس، قبل أن يُعفى منه مع تشكيل مجلس القيادة الرئاسي. وفي ديسمبر 2025 سيطر المجلس الانتقالي على حضرموت والمهرة، ثم استعادت القوات الحكومية المدعومة سعودياً المحافظتين، وحُل المجلس في يناير 2026.

كيف ينظر اليمنيون إلى الوحدة اليوم؟

ينقسم اليمنيون اليوم إلى عدة مواقف من الوحدة اليمنية. فهناك من يتمسك بالدولة الموحدة بصيغتها المركزية، وهم كثيرون في الشمال وبعض مناطق الجنوب. وهناك من يؤيد الدولة الاتحادية متعددة الأقاليم التي خرج بها مؤتمر الحوار الوطني، بوصفها حلاً وسطاً يحفظ الوحدة ويوزع السلطة.

وفي المقابل يطالب تيار واسع في الجنوب باستعادة الدولة الجنوبية، بينما تسعى قوى في حضرموت إلى وضع خاص لإقليمها بعيداً عن عدن وصنعاء معاً. ويُظهر هذا التنوع أن الخلاف لا يدور بين شمال وجنوب فقط، بل داخل كل منهما أيضاً. وقد ظهر ذلك بوضوح مطلع 2026، حين وقف حلف قبائل حضرموت إلى جانب القوات الحكومية في مواجهة المجلس الانتقالي. ولذلك يصعب أن يحسم طرف واحد مستقبل البلاد بالقوة، كما أظهرت تجارب 1994 و2015 و2026.

الوضع اليوم: هل ما زالت الوحدة اليمنية قائمة؟

ما زالت الوحدة اليمنية قائمة رسمياً، فالحكومة المعترف بها دولياً تعمل باسم الجمهورية اليمنية، والمجتمع الدولي يدعم وحدة البلاد. كما تؤكد قرارات مجلس الأمن المتعاقبة التزامها بوحدة اليمن وسيادته. لكن الواقع على الأرض منقسم، إذ يسيطر الحوثيون على صنعاء ومعظم الشمال، بينما تسيطر القوات الحكومية على الجنوب بعد أحداث مطلع 2026.

ويبقى السؤال الجنوبي مفتوحاً رغم حل أبرز تنظيم حمل مطلب فك الارتباط. وقد شكلت الحكومة عام 2013 لجنتين لمعالجة قضايا الأراضي المصادرة والموظفين المبعدين من الجنوب، لكن عملهما تعثر مع اندلاع الحرب. فالمظالم التي تراكمت منذ 1994 لم تُعالج بصورة شاملة، والصيغ المطروحة، من الدولة الاتحادية إلى استعادة الدولة الجنوبية، ما زالت محل خلاف. ويرى محللون أن أي تسوية سياسية مقبلة لن تنجح دون معالجة القضية الجنوبية بصورة يقبلها أبناء الجنوب أنفسهم. ويعني ذلك أن مستقبل الوحدة اليمنية لن يُحسم في ميادين القتال، بل في طاولة تفاوض تضم كل الأطراف.

الخلاصة

تعثرت الوحدة اليمنية لأنها جمعت دولتين مختلفتين بسرعة، دون دمج حقيقي للجيشين والمؤسسات، فاندلعت حرب 1994 بعد أربع سنوات فقط. وقد سبقتها حربان بين الشطرين، وتلتها مظالم أطلقت الحراك الجنوبي وصراعات امتدت حتى 2026. ويبقى مستقبل الوحدة مرتبطاً بتسوية سياسية شاملة تعالج القضية الجنوبية وتحظى بقبول الشمال والجنوب معاً.

الأسئلة الشائعة

ما هو يوم 22 مايو في اليمن؟

هو يوم الوحدة اليمنية، الذي أُعلن فيه قيام الجمهورية اليمنية عام 1990 بعد توحيد الشمال والجنوب. وتحتفل به الحكومة اليمنية عيداً وطنياً كل عام. لكن قطاعاً من الجنوبيين يرفض الاحتفال به، ويعتبره بداية لما يصفونه بتهميش الجنوب، خاصة بعد حرب 1994.

ما هي الجمهورية العربية اليمنية؟

هي الاسم الرسمي للدولة التي حكمت شمال اليمن من ثورة 1962 حتى توحيد البلاد عام 1990، وتُعرف شعبياً باسم اليمن الشمالي. وكانت عاصمتها صنعاء، وتولى علي عبد الله صالح رئاستها منذ عام 1978. وأصبحت بعد التوحيد جزءاً من الجمهورية اليمنية.

من هو علي سالم البيض؟

هو سياسي يمني جنوبي، شغل منصب الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني ورئيس الدولة الجنوبية قبل الوحدة. ووقّع اتفاق الوحدة مع علي عبد الله صالح عام 1990، وأصبح نائباً للرئيس. ثم أعلن في 21 مايو 1994 قيام دولة جنوبية لم تحظ بالاعتراف، وعاش في المنفى بعد الحرب.

ما معنى فك الارتباط؟

هو مصطلح يستخدمه أنصار الحراك الجنوبي للمطالبة بإنهاء الوحدة واستعادة الدولة الجنوبية بحدود ما قبل 1990. ويفضل أصحابه هذا التعبير على كلمة «الانفصال» عند الحديث عن الوحدة اليمنية، لأنهم يرون أن الجنوب كان دولة مستقلة ذات سيادة دخلت الوحدة طوعاً. أما الحكومة اليمنية فترفض هذا المطلب وتتمسك بوحدة البلاد.