نمط الحياة

ما خيارات جنوب اليمن بين الدولة المركزية والفيدرالية؟

تتراوح خيارات جنوب اليمن بين أربعة سيناريوهات رئيسية. فإما دولة مركزية موحدة، أو دولة اتحادية من ستة أقاليم وفق مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، أو اتحاد من إقليمين، أو استعادة دولة مستقلة في الجنوب. وقد طُرحت هذه الخيارات منذ سنوات، دون أن يُحسم أي منها بسبب الحرب. وفي يناير 2026 تغيرت الصورة مجدداً بعد حل المجلس الانتقالي الجنوبي، أبرز قوة طالبت باستعادة دولة الجنوب.

كتبه عمر حداد

المحتويات
مدينة صنعاء (Sana'a City): مشهد بانورامي للمباني التاريخية في صنعاء القديمة مع جبال في الخلفية.

ما هي الفيدرالية وكيف تختلف عن الدولة البسيطة؟

الفيدرالية نظام تتكون فيه الدولة من أقاليم أو ولايات تتمتع بسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية خاصة. وتتحد هذه الأقاليم في دولة واحدة تمثلها أمام العالم، وتتولى الدفاع والسياسة الخارجية. أما الدولة البسيطة أو الموحدة فتتكون من إقليم واحد وشعب واحد وسلطة مركزية واحدة. وتُكتب الكلمة أحياناً «الفدرالية»، ويقابلها في العربية لفظ «الاتحادية».

ومعظم دول العالم دول موحدة، بينما يقدر منتدى الاتحادات عدد الدول الاتحادية بنحو 25 دولة يعيش فيها قرابة 40% من سكان العالم. وتنشأ الدول الاتحادية عادة بطريقتين. الأولى اتحاد ولايات أو دول كانت مستقلة، كما في الولايات المتحدة التي بدأت بثلاث عشرة ولاية ووصلت إلى خمسين، والإمارات العربية المتحدة عام 1971. والثانية تحويل دولة موحدة إلى أقاليم، كما حدث في بلجيكا.

وفي العالم العربي نموذجان بارزان. فالإمارات العربية المتحدة اتحاد تأسس في ديسمبر 1971 بين إمارات مستقلة، واكتمل بانضمام رأس الخيمة مطلع 1972. أما العراق فتحول إلى دولة اتحادية بموجب دستور 2005، الذي اعترف بإقليم كردستان إقليماً له حكومته وبرلمانه.

ويختلف هذا النظام عن اللامركزية في عمق الصلاحيات. فالأخيرة تقتصر غالباً على نقل صلاحيات إدارية ومالية إلى المحافظات، بينما يمنح النظام الاتحادي الأقاليم صلاحيات سياسية ودستورية أيضاً. ولذلك يتطلب دستوراً اتحادياً للدولة، ودستوراً أو نظاماً أساسياً لكل إقليم.

ويرى مؤيدو النظام الاتحادي أنه يقرّب القرار من المواطنين، ويستوعب التنوع الثقافي والجغرافي، ويخفف التوتر بين المركز والأطراف. في المقابل يحذر منتقدوه من تكلفته الإدارية المرتفعة، ومن تعميق الفوارق بين الأقاليم الغنية بالموارد والأقاليم الفقيرة. كما يرون أن سوء تصميمه قد يمهد للانفصال بدلاً من منعه، خاصة إذا رُسمت حدود الأقاليم دون توافق.

كيف ظهرت فكرة الأقاليم في جنوب اليمن؟

ظهرت فكرة الأقاليم في جنوب اليمن بعد الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990. فقد جمعت الوحدة بين الجمهورية العربية اليمنية في الشمال وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، المعروفة باسم اليمن الجنوبي. فبعد أزمة الانتخابات البرلمانية عام 1993، وقّعت الأطراف المتصارعة في عمّان مطلع 1994 «وثيقة العهد والاتفاق»، التي تضمنت أفكاراً لتوسيع صلاحيات المناطق. لكن الحرب اندلعت في صيف العام نفسه، وأعلن قادة جنوبيون خلالها في مايو 1994 فك الارتباط. وانتهت الحرب في يوليو بسيطرة القوات الحكومية على الجنوب، وتركت آثاراً سياسية واجتماعية عميقة ما زالت حاضرة.

ومنذ عام 2007 ظهر الحراك الجنوبي حركةً احتجاجية تطالب بحقوق الجنوبيين، ثم تبنى كثير من مكوناته مطلب استعادة الدولة. وفي هذا السياق طُرحت فكرة الاتحاد من إقليمين، شمالي وجنوبي، وفق الحدود التي كانت قائمة قبل 1990. وقُدمت هذه الصيغة حلاً وسطاً بين أنصار الدولة المركزية وأنصار فك الارتباط.

وارتبط هذا المفهوم في أذهان كثير من اليمنيين بصيغة الإقليمين تحديداً. ولذلك يميز بعض الكتاب اليمنيين بين «الفيدرالية» بمعنى الإقليمين، و«الدولة الاتحادية» بمعنى الأقاليم المتعددة، رغم أن المصطلحين يدلان علمياً على النظام نفسه.

ما هو مشروع الأقاليم الستة؟

مشروع الأقاليم الستة صيغة اتحادية خرج بها مؤتمر الحوار الوطني، الذي انعقد بين مارس 2013 ويناير 2014 بموجب المبادرة الخليجية. وضم المؤتمر 565 عضواً، وخُصص نصف المقاعد لممثلي الجنوب في محاولة لمعالجة القضية الجنوبية. وفي فبراير 2014 أقرت لجنة تحديد الأقاليم تقسيم البلاد إلى ستة أقاليم. وتضم أقاليم اليمن الستة أربعة في الشمال هي آزال وسبأ والجند وتهامة، واثنين في الجنوب هما عدن وحضرموت. وحظيت الصيغة بدعم قرارات مجلس الأمن ودول الخليج.

لكن المشروع تعثر سريعاً. فقد رفضت جماعة الحوثيين تقسيم الأقاليم، وتصاعد الخلاف حول مسودة الدستور الاتحادي مطلع 2015. وفي يناير من ذلك العام احتجز الحوثيون مدير مكتب الرئاسة أحمد عوض بن مبارك، الذي كان يحمل المسودة، ثم اندلعت الحرب. كما رفض قطاع واسع من أبناء جنوب اليمن الصيغة، لأنها تقسم الجنوب إلى إقليمين بدلاً من إقليم واحد. ويقارن الجدول التالي بين الخيارات المطروحة لمستقبل جنوب اليمن:

الخيار

شكل الدولة

موقع الجنوب

الدولة المركزية

دولة موحدة بسلطة مركزية

محافظات تابعة للمركز

الأقاليم الستة

دولة اتحادية من ستة أقاليم

إقليمان: عدن وحضرموت

الإقليمان

دولة اتحادية من إقليمين

إقليم جنوبي واحد

استعادة الدولة

دولتان مستقلتان

دولة مستقلة في الجنوب

المصدر: مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، ومقالات تحليلية يمنية نُشرت عام 2017.

ويتضح من الجدول أن الخلاف لا يقتصر على مبدأ الاتحاد، بل يمتد إلى عدد الأقاليم وحدودها.

ومن النقاط التي أثارت نقاشاً واسعاً مسألة الأحزاب. فقد لاحظ الباحث رياض الأحمدي، مؤلف كتاب «الفدرالية في اليمن»، أن مسودة الدستور الاتحادي حظرت الأحزاب القائمة على أساس عرقي أو طائفي أو مذهبي. لكنها لم تحدد بوضوح جواز إنشاء أحزاب على مستوى الأقاليم. ورأى كتّاب جنوبيون أن السماح بهذه الأحزاب قد يحول المطالب الجنوبية إلى عمل سياسي قانوني.

هل يمكن أن تنشأ فيدرالية بحكم الواقع؟

نعم، يمكن أن تتحول دولة موحدة رسمياً إلى ما يشبه الدولة الاتحادية في الواقع، عندما تتمتع أقاليمها بصلاحيات واسعة يصعب سحبها سياسياً. ويستخدم الباحثون لهذه الحالة مصطلحاً خاصاً يصف الدولة الموحدة التي تعمل عملياً كدولة اتحادية.

وتُعد إسبانيا المثال الأشهر. فدستورها لعام 1978 لا ينص على أنها دولة اتحادية، لكنه يمنح مناطقها الحكم الذاتي بصلاحيات واسعة. ويتمتع إقليم الباسك ونافارا بصلاحيات شبه كاملة على الضرائب والإنفاق، ويحولان جزءاً منها إلى الحكومة المركزية مقابل خدمات مثل الدفاع والسياسة الخارجية. أما إقليم كردستان العراق فيتمتع بوضع معترف به في الدستور العراقي لعام 2005، بحكومة وبرلمان خاصين. وتعمل هونغ كونغ منذ عودتها إلى الصين عام 1997 وفق مبدأ «دولة واحدة ونظامان».

لكن هذه النماذج لها حدود. ففي سبتمبر 2017 أجرى إقليم كردستان العراق استفتاء على الاستقلال، فردت الحكومة العراقية باستعادة كركوك ومناطق متنازع عليها في أكتوبر من العام نفسه. ويُظهر ذلك أن الوضع الخاص بحكم الواقع قد يتراجع إذا تجاوز حدود التوافق الداخلي والإقليمي.

وفي أبريل 2017 دعا كاتب في صحيفة «عدن الغد» الجنوبيين إلى اتباع أحد طريقين. الأول السعي إلى وضع خاص بحكم الواقع يشبه وضع كردستان العراق، والثاني المطالبة بحق تأسيس أحزاب إقليمية. ويمكن تطبيق هذه الفكرة على جنوب اليمن إذا قبلت بها القوى السياسية والإقليمية. ورأى أن نجاح أي من الطريقين يتوقف على قدرة القوى الجنوبية على التوحد، بعيداً عن الخطاب الشعاراتي.

لماذا يختلف الجنوبيون حول المستقبل؟

يختلف الجنوبيون حول مستقبل جنوب اليمن لأن المنطقة ليست كتلة واحدة. فلحضرموت هوية تاريخية مميزة وثروات نفطية، وتطالب قوى حضرمية منذ سنوات بوضع خاص لإقليمها، بعيداً عن هيمنة عدن أو صنعاء. وتختلف أولويات المهرة وشبوة وأبين ولحج بدورها، تبعاً لتاريخها وتركيبتها القبلية.

كما تتوزع القوى الجنوبية بين داعمين خارجيين مختلفين، فبعضها ارتبط بالإمارات وبعضها بالسعودية. وتنقسم أيضاً بين الأحزاب اليمنية القديمة، مثل التجمع اليمني للإصلاح والمؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي، وبين المكونات التي خرجت من الحراك الجنوبي. ورأى كاتب «عدن الغد» عام 2017 أن الأحزاب القديمة قادرة على اختراق الجنوب، وتشتيت جهود أبنائه بعيداً عن رؤية موحدة.

وظهر هذا التنوع بوضوح في أحداث مطلع 2026، حين وقف حلف قبائل حضرموت إلى جانب القوات الحكومية في مواجهة قوات المجلس الانتقالي داخل المحافظة.

ويفسر هذا التنوع لماذا لم تنجح أي صيغة في كسب إجماع جنوبي حتى الآن. فصيغة الإقليمين ترضي من يريد جنوباً موحداً، بينما ترضي صيغة الأقاليم الستة من يخشى هيمنة مركز جنوبي جديد على حضرموت.

الوضع اليوم: أين يقف جنوب اليمن عام 2026؟

شهد جنوب اليمن تحولات كبيرة منذ عام 2017. ففي 11 مايو 2017 تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي بدعم من الإمارات، برئاسة عيدروس الزبيدي، وأصبح أبرز قوة تطالب باستعادة دولة الجنوب. ثم انضم الزبيدي إلى مجلس القيادة الرئاسي عند تأسيسه عام 2022، نائباً لرئيسه.

وفي 2 ديسمبر 2025 أطلقت قوات المجلس هجوماً سيطرت فيه على محافظتي حضرموت والمهرة المحاذيتين للسعودية، وهو ما عدّته الرياض خطاً أحمر لأمنها. فردت السعودية بضربات جوية، وأعلنت الإمارات سحب قواتها المتبقية من اليمن. وفي يناير 2026 استعادت القوات الحكومية المدعومة سعودياً المحافظتين، ثم أُعفي الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي، وغادر البلاد.

وفي 9 يناير 2026 أعلن وفد من قيادات المجلس في الرياض حله. وتولت قوات العمالقة الأمن في عدن بعد انسحاب قوات المجلس منها. وتسيطر القوات الحكومية اليوم على معظم مناطق جنوب اليمن، بينما يسيطر الحوثيون على صنعاء ومعظم الشمال والغرب. ويعني ذلك أن سؤال شكل الدولة عاد مفتوحاً، دون أن تحمل أي قوة جنوبية كبرى مشروعاً موحداً كما في السنوات السابقة.

ويرأس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، بينما تواصل الأمم المتحدة جهودها لتسوية سياسية شاملة مع الحوثيين. ويرى محللون أن أي تسوية مقبلة ستضطر إلى معالجة وضع جنوب اليمن، سواء عبر صيغة اتحادية أو ترتيبات خاصة. فتجاهل القضية الجنوبية كان أحد أسباب تفجر الأزمات السابقة.

الخلاصة

تتوزع خيارات جنوب اليمن بين الدولة المركزية والأقاليم الستة والإقليمين واستعادة الدولة، ولكل خيار مؤيدوه ومعارضوه. وقد قدمت تجارب إسبانيا وكردستان العراق نموذجاً للحكم الواسع بحكم الواقع، طرحه كتّاب جنوبيون بديلاً عملياً منذ 2017. ومع حل المجلس الانتقالي الجنوبي مطلع 2026، يبقى مستقبل جنوب اليمن وشكل الدولة اليمنية سؤالاً مفتوحاً، تحسمه تسوية سياسية شاملة لم تتحقق بعد.

الأسئلة الشائعة

ما الفرق بين الفيدرالية والحكم الذاتي؟

هي نظام دستوري يقسم السلطة بين حكومة اتحادية وأقاليم متساوية في وضعها القانوني، ولا يستطيع المركز إلغاؤه منفرداً. أما الحكم الذاتي فقد يُمنح لإقليم واحد أو أكثر داخل دولة موحدة، كما في بعض المناطق الإسبانية. ويمكن نظرياً تقليصه بقرار من السلطة المركزية، وإن كان ذلك صعباً سياسياً في الغالب.

ما الفرق بين اللامركزية والنظام الاتحادي؟

هي نقل صلاحيات إدارية ومالية من الحكومة المركزية إلى المحافظات، مع بقاء التشريع والسيادة بيد المركز. أما النظام الاتحادي فيمنح الأقاليم صلاحيات تشريعية وسياسية يحميها الدستور. ولذلك يصف الدكتور عبدالله أبو الغيث هذه الدولة بأنها دولة اتحادية تقوم على توزيع موسع للصلاحيات.

ما الفرق بين جنوب اليمن واليمن الجنوبي؟

جنوب اليمن تسمية جغرافية للمحافظات الجنوبية والشرقية، مثل عدن وحضرموت وشبوة والمهرة وأبين ولحج. أما اليمن الجنوبي فاسم شائع لدولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي استقلت عام 1967 واستمرت حتى الوحدة عام 1990. ولذلك يدل التعبير الأول على منطقة، بينما يدل الثاني على دولة تاريخية.

ما هي أقاليم اليمن الستة؟

أقاليم اليمن الستة وفق مخرجات مؤتمر الحوار الوطني هي: آزال وسبأ والجند وتهامة في الشمال، وعدن وحضرموت في الجنوب. ومُنحت العاصمة صنعاء ومدينة عدن وضعاً خاصاً داخل هذا التقسيم. لكن هذا التقسيم لم يُطبق حتى اليوم بسبب الحرب والخلافات السياسية.