لماذا يتراجع عدد سكان البوسنة والهرسك وتتسارع شيخوخة السكان؟
يتراجع عدد سكان البوسنة والهرسك لثلاثة أسباب رئيسية. أولها آثار الحرب التي شهدتها البلاد بين عامي 1992 و1995، وثانيها الهجرة المستمرة إلى أوروبا الغربية، وثالثها انخفاض معدل الخصوبة إلى ما دون مستوى الإحلال. وفي الوقت نفسه يرتفع متوسط الأعمار، فتزداد نسبة كبار السن مقابل الأطفال. ويضغط هذا التحول على سوق العمل وأنظمة التقاعد والخدمات العامة في بلد يعيش معظم أهله في الأرياف.

كم يبلغ عدد سكان البوسنة والهرسك اليوم؟
يبلغ عدد سكان البوسنة والهرسك نحو 3.1 إلى 3.3 مليون نسمة وفق تقديرات عامي 2024 و2025، مقابل 4.38 مليون في تعداد عام 1991. ويعود الفارق بين التقديرات إلى غياب تعداد حديث، إذ يعود آخر تعداد رسمي منشور إلى عام 2013. ويعرض الجدول التالي تطور هذا العدد بحسب المصادر الرسمية والدولية:
السنة | عدد السكان | نوع البيانات | المصدر |
|---|---|---|---|
1991 | 4,377,033 | تعداد رسمي | وكالة الإحصاء في البوسنة والهرسك |
2013 | 3,531,159 | تعداد رسمي | وكالة الإحصاء في البوسنة والهرسك |
2024 | 3,335,615 | تقدير منتصف العام | وكالة الإحصاء في البوسنة والهرسك |
2025 | 3,140,095 | تقدير منتصف العام | الأمم المتحدة، التوقعات السكانية العالمية 2024 |
المصدر: وكالة الإحصاء في البوسنة والهرسك والأمم المتحدة.
ويعني ذلك أن سكان البوسنة خسروا نحو خُمس عددهم بين تعدادي 1991 و2013. وقد تتجاوز الخسارة ربع العدد وفق تقدير الأمم المتحدة لعام 2025.
ولا يحظى تعداد 2013 نفسه بإجماع داخلي. فالكيانان اللذان تتكون منهما الدولة، اتحاد البوسنة والهرسك وجمهورية صرب البوسنة، يستخدمان تعريفين مختلفين في الإحصاء. ويحتسب الاتحاد المواطنين الذين يعملون في الخارج منذ سنوات طويلة، بينما تعتمد جمهورية صرب البوسنة عدد المقيمين فعلاً، وهو أقل بنحو 5%. لذلك يرى ديموغرافيون أن العدد الحقيقي لسكان البوسنة قد يكون أدنى من التقديرات الرسمية.
لماذا يتراجع عدد سكان البوسنة؟
يعود تراجع عدد السكان إلى اجتماع ثلاثة عوامل على مدى ثلاثة عقود: خسائر الحرب، والهجرة إلى الخارج، وانخفاض الولادات أمام ارتفاع الوفيات. ولكل عامل أثر مختلف في الحجم والتركيبة العمرية.

مشهد جميل لمدينة سراييفو، عاصمة البوسنة والهرسك، يبرز نهر ميلتسكا الهادئ الذي يعبر وسط المدينة. تظهر في الصورة واجهات المباني الكلاسيكية ذات الألوان الدافئة والمصطفة على طول النهر، مع جسر حجري مقوس وانعكاسات ساحرة للعمارة والغيوم على سطح الماء، مما يعكس الجاذبية السياحية للمدينة وتاريخها العريق.
آثار الحرب وتفكك يوغوسلافيا
بدأ التراجع مع تفكك يوغوسلافيا والحرب التي امتدت بين عامي 1992 و1995، وأودت بحياة نحو 100 ألف شخص. وأدت الحرب إلى نزوح واسع داخل البلاد وخارجها، ولم يعد كثير من اللاجئين بعد توقف القتال. ويشير تقرير للبنك الدولي صدر عام 2017 إلى أن الهجرة بعد الحرب اتجهت إلى خارج الحدود أكثر من اتجاهها إلى المدن.
الهجرة إلى أوروبا الغربية
تحولت الهجرة بعد الحرب إلى ظاهرة مستمرة يقودها بحث سكان البوسنة عن العمل والدخل الأفضل. وتقدّر مؤسسة كونراد أديناور الألمانية أن سكان البوسنة تراجعوا بمعدل 25 ألف شخص سنوياً بين عامي 2013 و2020، بفعل الهجرة وانخفاض الولادات معاً. ووفق مجلة فوربس، احتلت البوسنة والهرسك عام 2020 المرتبة الثانية عالمياً في نسبة المغتربين إلى عدد السكان. وفي ألمانيا وحدها سجلت السلطات وصول 119 ألف شخص من البوسنة بين عامي 2014 و2018، مقابل مغادرة 68 ألفاً. ويعني ذلك أن نحو 50 ألفاً استقروا فيها فعلياً.
انخفاض معدل الخصوبة
بلغ معدل الخصوبة في البوسنة والهرسك 1.23 طفل لكل امرأة عام 2024، وفق وكالة الإحصاء الوطنية. ويقل هذا المعدل كثيراً عن مستوى الإحلال البالغ 2.1، وهو المستوى الذي يحافظ على حجم المجتمع دون هجرة. ففي عام 2024 سجلت البلاد 25,889 ولادة مقابل 35,812 وفاة، أي بزيادة طبيعية سالبة بلغت 9,923 شخصاً في عام واحد.
ما هي شيخوخة السكان وكيف تظهر في البوسنة؟
شيخوخة السكان هي ارتفاع نسبة كبار السن، الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر، وارتفاع متوسط العمر في المجتمع. وتحدث عندما تنخفض الولادات ويطول متوسط العمر المتوقع في الوقت نفسه، فيصغر عدد الأطفال ويكبر عدد المسنين. وفي حالة سكان البوسنة تضاعف الهجرة هذا الأثر، لأن المهاجرين في الغالب من الشباب.
وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن نسبة من تجاوزوا 65 عاماً تخطت نسبة الأطفال دون 15 عاماً بين عامي 2010 و2015. ويعرض الجدول التالي توزيع سكان البوسنة على الفئات العمرية الثلاث:
السنة | الأطفال (0-14 عاماً) | سن العمل (15-64 عاماً) | كبار السن (65 عاماً فأكثر) |
|---|---|---|---|
2000 | 19.87% | 69.15% | 10.98% |
2015 | 14.28% | 68.47% | 17.25% |
2024 | 13.04% | 64.73% | 22.23% |
2050 (توقع) | 11.70% | 54.32% | 33.98% |
المصدر: شعبة السكان في الأمم المتحدة، عبر منصة ستاتيستا.
ويتضح من الجدول أن كبار السن قد يشكلون نحو ثلث سكان البوسنة والهرسك بحلول عام 2050.
ويرافق ذلك ارتفاع واضح في الأعمار. فقد ارتفع متوسط العمر من 34 عاماً في تعداد 1991 إلى 39.5 عاماً في تعداد 2013. وبلغ متوسط العمر المتوقع عند الولادة نحو 78 عاماً في عام 2024 وفق الأمم المتحدة. أما العمر الوسيط فتوقع البنك الدولي عام 2017 أن يرتفع من 41.5 عاماً في 2015 إلى 53.9 عاماً في 2065. وسيكون ذلك ثاني أعلى مستوى في العالم.
ونتيجة لذلك يتغير شكل الهرم السكاني في البلاد، فتضيق قاعدته من الأطفال وتتسع قمته من المسنين. ويعني هذا الشكل أن عدداً أقل من العاملين سيعيل عدداً أكبر من المتقاعدين في العقود المقبلة. فكلما تراجعت نسبة من هم في سن العمل، قلّت الاشتراكات التي تموّل المعاشات، وزادت الحاجة إلى دعمها من الموازنة العامة.
ما آثار تراجع السكان وشيخوختهم على الاقتصاد؟
يؤدي تراجع عدد السكان وشيخوختهم إلى نقص الأيدي العاملة، وتراجع الطلب على المساكن، وزيادة الضغط على أنظمة التقاعد والصحة. ففي كثير من مدن العالم ترتفع الإيجارات بسبب الازدحام، أما في البوسنة فيحدث العكس في المناطق التي يغادرها أهلها.
وقد عرض الخبير الاقتصادي في البنك الدولي فولفغانغ فنغلر عام 2015 مثالاً واضحاً على ذلك. فأحد سكان البوسنة يملك منزلاً عائلياً مساحته نحو 250 متراً مربعاً مع حديقة كبيرة قرب بانيا لوكا، ثانية كبرى مدن البلاد. وقدّر المالك أنه لن يحصل مقابل منزله على أكثر من 15 ألف يورو، وفضّل أن يهبه مجاناً أو يهدمه على أن يبيعه بهذا الثمن.
وتزيد التركيبة الريفية المشكلة تعقيداً. فوفق البنك الدولي، كان نحو 60% من سكان البوسنة والهرسك يعيشون في الأرياف عام 2017، ما يجعلها من أقل الدول الأوروبية تحضراً. ويرى فنغلر أن انخفاض كلفة المعيشة في القرى سمح لكثيرين بالعيش على دخل محدود من الإرث أو المساعدات الاجتماعية، لكن ذلك أضعف حيوية المدن والاقتصاد.
ومع تقدم سكان البوسنة في العمر تواجه الدولة ضغوطاً متزايدة على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية والتعليم وسوق العمل، وفق تقرير مؤسسة كونراد أديناور. ويزيد من صعوبة الإصلاح أن إدارة نظام التقاعد موزعة بين الكيانين. ومع أن مستوى المعيشة ارتفع 6 أضعاف بين عامي 1995 و2015 وفق البنك الدولي، فإنه بقي من الأدنى في أوروبا.

هل يكفي رفع معدل الخصوبة لحل الأزمة؟
لا يكفي رفع الخصوبة وحده، لأن التغيرات السكانية بطيئة وتحتاج إلى عقود حتى تظهر نتائجها. فبحسب فنغلر، حتى لو ارتفعت الخصوبة فجأة، فإن عودة سكان البوسنة إلى مستوى مطلع التسعينيات تحتاج إلى جيلين على الأقل. لذلك تحتاج البلاد إلى حلول سريعة تخفف آثار الأزمة إلى جانب السياسات الطويلة الأمد. وتُظهر تجارب دول أخرى صعوبة رفع الخصوبة بالحوافز المالية وحدها. فكوريا الجنوبية أنفقت أكثر من 200 مليار دولار على حوافز الإنجاب. ومع ذلك بقي متوسط الإنجاب فيها عند 0.73 طفل لكل امرأة، وهو الأدنى في العالم وفق الأمم المتحدة.
وتُظهر توقعات صندوق الأمم المتحدة للسكان حجم التحدي. ففي تحليل نشره عام 2020 بالتعاون مع خبراء من جامعة تشارلز في براغ، رسم الصندوق عدة سيناريوهات لعام 2070. ووفق السيناريو الأكثر تفاؤلاً لن يتجاوز العدد 2.5 مليون نسمة، بينما يتوقع السيناريو الأقرب إلى الواقع، بحسب الخبراء، انخفاضه إلى 1.5 مليون فقط. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد يتجاوز عمر أكثر من نصف المواطنين 65 عاماً بحلول ذلك التاريخ.
ما الحلول المقترحة لمواجهة الأزمة السكانية في البوسنة؟
اقترح فنغلر 4 مجالات رئيسية للتعامل مع آثار تراجع السكان وشيخوختهم، بالتوازي مع العمل على رفع الخصوبة:
- إحياء المدن، لأن المدن الحيوية توفر وظائف أكثر لجميع المواطنين، بمن فيهم أهل الأرياف.
- تحقيق التوازن بين خروج الكفاءات واستقطابها، عبر جذب الخبرات الأجنبية وإعادة المهاجرين من أبناء البلد.
- إدارة البلدات التي تفقد سكانها، بتقييم صلاحيتها للعيش وإعادة تصميم مرافقها أو هدم المباني القديمة عند الحاجة.
- إعادة تصميم الخدمات العامة، بحيث تصل إلى أهالي الأطراف بكلفة تتحملها الدولة، كالتعليم عن بعد والطب عن بعد.
ويرى فنغلر أن الهجرة ليست سلبية دائماً، فالمهاجرون يكتسبون خبرات في الخارج، وقد يعودون بها إذا وجدوا فرصاً مناسبة في بلدهم. أما الخدمات الرقمية فتسمح ببقاء المدارس الصغيرة في القرى رغم قلة التلاميذ، وتخفف حاجة المسنين إلى السفر إلى المدن لتلقي العلاج. ويعني ذلك أن الهدف ليس وقف التراجع فوراً، بل جعل البلاد قادرة على العيش مع عدد أقل من الشباب.
وتتفق هذه المقترحات مع توصيات تقارير لاحقة، تؤكد أن معالجة الأزمة تتطلب إرادة سياسية مستمرة لسنوات طويلة. فالحلول السكانية لا تنجح إذا تغيرت الأولويات مع كل حكومة. ويزيد من صعوبة ذلك أن الصلاحيات في البوسنة والهرسك موزعة بين مستويات حكم متعددة.
الوضع اليوم: ماذا تغيّر منذ عام 2019؟
لم تتوقف الاتجاهات السكانية التي رصدها الخبراء قبل عام 2019، بل استمرت بالوتيرة نفسها تقريباً. فما زالت الوفيات تتجاوز الولادات سنوياً، وما زال معدل الخصوبة أقل بكثير من مستوى الإحلال، كما تُظهر بيانات عام 2024. ويقدّر الخبير الديموغرافي ألكسندر تشافيتش أن سكان البوسنة تراجعوا بما لا يقل عن 350 ألف نسمة خلال 10 سنوات بعد تعداد 2013. ومن هؤلاء 250 ألفاً على الأقل هاجروا إلى الخارج. وتصل بعض التقديرات إلى نصف مليون نسمة.
وزادت فرص الهجرة إلى ألمانيا تحديداً. ففي الأول من يونيو 2024 رفعت ألمانيا الحصة السنوية لتأشيرات العمل المخصصة لمواطني دول غرب البلقان، ومنها البوسنة والهرسك، من 25 ألفاً إلى 50 ألفاً. لكن الحكومة الألمانية الحالية تعتزم، وفق اتفاق الائتلاف الحاكم، خفض الحصة مجدداً إلى 25 ألفاً، ما قد يحد من هذا المسار.
وعلى المستوى العالمي، تنتمي البوسنة إلى مجموعة متزايدة من الدول التي بدأ عدد سكانها بالتراجع. فقد بلغ عدد سكان العالم 8.2 مليار نسمة عام 2024، وفق تقرير التوقعات السكانية العالمية الصادر عن الأمم المتحدة. ويُتوقع أن يبلغ ذروته عند 10.3 مليار في منتصف ثمانينيات هذا القرن. لكن عدد السكان بلغ ذروته بالفعل في 63 دولة ومنطقة، بينها ألمانيا واليابان وروسيا والصين.
الخلاصة
يتناقص سكان البوسنة والهرسك منذ ثلاثة عقود بفعل الحرب والهجرة وانخفاض الخصوبة، وتتسارع في الوقت نفسه شيخوخة السكان. ويترك هذا التحول آثاراً اقتصادية واضحة، من المنازل الرخيصة في الأرياف إلى الضغط على أنظمة التقاعد. ولأن رفع الخصوبة يحتاج إلى أجيال، يبقى إحياء المدن وجذب الكفاءات وتطوير الخدمات أدوات أساسية لتخفيف الأزمة. ويرتبط نجاح هذه الأدوات بإرادة سياسية مستمرة لا تتغير بتغير الحكومات.
الأسئلة الشائعة
ما هو مستوى الإحلال السكاني؟
مستوى الإحلال هو مستوى الخصوبة الذي يكفي ليحل جيل الأبناء محل جيل الآباء دون زيادة أو نقصان، ويبلغ نحو 2.1 طفل لكل امرأة. وإذا بقي المعدل دون هذا المستوى لسنوات طويلة، يبدأ المجتمع بالتقلص ما لم تعوضه الهجرة الوافدة. وتعيش البوسنة والهرسك هذا الوضع منذ عقود.
ما أكبر مدن البوسنة والهرسك؟
تُعد سراييفو، العاصمة، أكبر مدن البوسنة والهرسك، وتليها بانيا لوكا في المرتبة الثانية. وتجذب المدن الكبرى معظم الأنشطة الاقتصادية والخدمات، لكنها لم تستوعب أهل الأرياف بالقدر الذي حدث في دول أوروبية أخرى. لذلك ما زال جزء كبير من سكان البوسنة يعيش في القرى والبلدات الصغيرة.
ما المقصود بهجرة العقول؟
هجرة العقول هي انتقال أصحاب المهارات والتعليم العالي، كالأطباء والمهندسين، إلى دول توفر لهم دخلاً وفرصاً أفضل. وتفقد الدولة الأصلية بذلك جزءاً من استثمارها في التعليم ومن قدرتها على النمو. ويرى خبراء أن الحل لا يكمن في منع الهجرة، بل في تشجيع العودة واستقطاب كفاءات بديلة من الخارج.
هل تتراجع أعداد السكان في دول أوروبية أخرى؟
نعم، فالتراجع السكاني ظاهرة منتشرة في شرق أوروبا وجنوبها، ومنها دول البلقان المجاورة. لكن البوسنة والهرسك من أكثر الحالات حدة، إذ تحتل وفق صندوق الأمم المتحدة للسكان مرتبة متأخرة في المنطقة من حيث تجدد الأجيال. ويعود ذلك إلى اجتماع آثار الحرب والهجرة وانخفاض الخصوبة فيها.









