هل خلق النقود في البنوك من أكل أموال الناس بالباطل؟
خلق النقود في البنوك مسألة خلافية: يعدّه فريق من الباحثين من أكل أموال الناس بالباطل، ويراه فريق آخر مشروعاً إذا التزمت البنوك بالضوابط. ويبدأ الخلاف من سؤال اقتصادي قبل أن يكون فقهياً: هل تُقرض البنوك أموال المودعين، أم تنشئ أموالاً جديدة عند كل قرض؟ وتحدد الإجابة عن هذا السؤال طريقة تطبيق القاعدة الشرعية على عمل البنوك.

ما هو خلق النقود وكيف تنشئ البنوك الودائع؟
خلق النقود هو إنشاء وسائل دفع جديدة تدخل الاقتصاد، ويحدث غالباً عندما يمنح البنك قرضاً ويضيف رصيداً جديداً إلى حساب المقترض. ولا يأخذ البنك هذا الرصيد من حساب مودع آخر، بل يسجله قيداً مزدوجاً في ميزانيته. فالقرض يصبح أصلاً للبنك، والوديعة الجديدة تصبح التزاماً عليه تجاه العميل.
ولتوضيح الآلية، لنفترض أن صاحب ورشة حصل على قرض قيمته 10,000 دولار لشراء معدات جديدة. يسجل البنك في جانب الأصول قرضاً بقيمة 10,000 دولار، ويسجل في جانب الالتزامات وديعة بالقيمة نفسها في حساب المقترض. ولم ينخفض رصيد أي مودع آخر في هذه العملية، لكن مجموع الودائع في النظام المصرفي ارتفع بمقدار القرض.
ويعرّف الاقتصاد الحديث النقود بأنها نوع خاص من الديون يقبله الجميع وسيلةً للدفع. وفي مارس 2014 نشر بنك إنجلترا، البنك المركزي البريطاني، دراستين قسّمتاها إلى ثلاثة أنواع بحسب الجهة المدينة بها. ويعرض الجدول التالي هذه الأنواع الثلاثة:
النوع | الجهة المدينة | الجهة الدائنة | من يستعملها |
|---|---|---|---|
الأوراق النقدية والعملات المعدنية | البنك المركزي | الجمهور | الأفراد والشركات |
احتياطيات البنك المركزي | البنك المركزي | البنوك | البنوك فقط |
الودائع المصرفية | البنوك التجارية | المودعون | الأفراد والشركات |
المصدر: بنك إنجلترا، النشرة الفصلية، الربع الأول من عام 2014.
ويُظهر الجدول أن النوع الثالث وحده تنشئه مؤسسات خاصة تسعى إلى الربح، ولذلك يتركز عليه الجدل الفقهي.
وتشكّل هذه الودائع الجزء الأكبر من الكتلة النقدية. ففي المملكة المتحدة بلغت حصتها نحو 97% من الأموال التي يحتفظ بها الجمهور، وفق أرقام بنك إنجلترا لعام 2014. وتسمى هذه الودائع أيضاً النقود الائتمانية أو نقود الودائع، لأن معظمها نشأ في الأصل من قروض منحتها البنوك.
وتعمل العملية في الاتجاه المعاكس أيضاً، فعندما يسدد المقترض قرضه تختفي الوديعة المقابلة له من النظام المصرفي. لذلك يصف بنك إنجلترا منح القرض بأنه خلق للنقود، ويصف سداده بأنه إتلاف لها. ومن ثمّ ترتفع الكتلة النقدية في الاقتصاد عندما يزيد الإقراض على السداد، وتنخفض في الحالة المعاكسة.

ما الفرق بين مضاعف النقود ونظرية خلق الائتمان؟
يفترض مضاعف النقود أن البنوك تجمع الودائع ثم تُقرض جزءاً منها، بينما ترى نظرية خلق الائتمان أن القرض نفسه ينشئ الوديعة دون انتظار مدخرات سابقة. وقد رصد الاقتصادي ريتشارد فيرنر (Richard Werner) من جامعة ساوثهامبتون البريطانية ثلاث نظريات تنافست خلال القرن الماضي في تفسير عمل البنوك:
- نظرية الوساطة المالية: البنك وسيط يجمع المدخرات ثم يقرضها كأي مؤسسة مالية أخرى.
- نظرية الاحتياطي الجزئي: البنك الواحد لا يخلق النقود، لكن البنوك مجتمعة تضاعف الودائع عبر مضاعف النقود.
- نظرية خلق الائتمان: كل بنك ينشئ وديعة جديدة بمفرده عند منح القرض.
ووفق نموذج المضاعف يحتفظ البنك بنسبة من الودائع احتياطياً قانونياً لدى البنك المركزي، ويُقرض الباقي. ثم تنتقل القروض إلى بنوك أخرى في صورة ودائع جديدة، فتتكرر العملية حتى يتضاعف حجم الودائع عدة مرات. وما زالت مقررات جامعية عربية كثيرة تشرح خلق النقود بهذا النموذج.
غير أن بنك إنجلترا أكد عام 2014 أن البنوك لا تكتفي بإقراض مدخرات العملاء، ولا تضاعف احتياطيات البنك المركزي بصورة آلية. وفي العام نفسه نشر فيرنر أول اختبار تجريبي للمسألة في مجلة International Review of Financial Analysis. وفي هذا الاختبار اقترض مبلغاً من بنك تعاوني ألماني، وراقب سجلاته الداخلية لحظة صرف القرض. وخلص إلى أن البنك لم ينقل المبلغ من حسابات أخرى، بل أنشأه عند منح القرض. ثم نشر عام 2016 اختباراً ثانياً بمنهجية مختلفة، رفض فيه نظريتي الوساطة المالية والاحتياطي الجزئي.
لكن خلق النقود لا يعني أن البنك يُقرض بلا حدود. فبحسب بنك إنجلترا، تتوقف الكمية النهائية من المال في الاقتصاد على السياسة النقدية للبنك المركزي، وفي مقدمتها سعر الفائدة. وتقيّد البنكَ أيضاً متطلبات رأس المال والسيولة، وحاجته إلى تسوية المدفوعات مع البنوك الأخرى، فضلاً عن رغبة العملاء في الاقتراض أصلاً.
لهذا تحتاج عبارة «تمنح البنوك القروض دون أي موجودات» إلى تدقيق. فعندما تنتقل الوديعة الجديدة إلى بنك آخر، يسوّي البنك المُقرض التحويل باحتياطياته لدى البنك المركزي. ويمكنه تأمين هذه الاحتياطيات بالاقتراض من بنوك أخرى أو بجذب ودائع إضافية.
ما هي قاعدة أكل المال بالباطل في الفقه الإسلامي؟
قاعدة أكل المال بالباطل أصل فقهي يحرّم انتقال المال من شخص إلى آخر دون سبب يقرّه الشرع. ومصدرها قوله تعالى في الآية 29 من سورة النساء: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ». وجاء النهي نفسه في مطلع الآية 188 من سورة البقرة: «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ». ونقل ابن كثير في تفسيره رواية تصف آية النساء بأنها محكمة، لم تُنسخ ولن تُنسخ إلى يوم القيامة.
الباطل الشرعي والباطل العرفي
يميّز الفقهاء بين نوعين من الباطل في هذه القاعدة. فالباطل الشرعي ما نصّ الشرع على تحريمه صراحةً، كالربا والقمار والرشوة والسرقة والغصب. وقد ذكر ابن كثير في تفسير آية النساء أنواع الربا والقمار وسائر صنوف الحيل أمثلةً عليه. أما الباطل العرفي فهو ما يعدّه العقلاء ظلماً أو كسباً بلا مقابل، ولو لم يرد فيه نص خاص.
ويستثني النص القرآني «التجارة عن تراضٍ»، أي المعاوضة المشروعة التي يرضى بها الطرفان. ومن هنا يدور الخلاف حول خلق النقود على سؤالين أساسيين. الأول: هل يحصل البنك على مال دون مقابل حقيقي؟ والثاني: هل يكفي رضا المقترض بالعقد لنفي صفة الباطل عن العملية كلها؟
الإثراء بلا سبب في القوانين المدنية العربية
يقابل هذه القاعدةَ في القانون المدني مبدأ الإثراء بلا سبب، ويسمى أيضاً الكسب دون سبب. وتنص المادة 179 من القانون المدني المصري رقم 131 لسنة 1948 على هذا المبدأ صراحةً. فمن يثري دون سبب مشروع على حساب غيره يلتزم بتعويضه في حدود ما أثرى به. وأخذ القانون المدني العراقي بالمبدأ نفسه في المادة 243 تحت اسم «الكسب دون سبب».
ويشترط القضاء لقيام هذا الالتزام ثلاثة عناصر: إثراء في ذمة شخص، وافتقار في ذمة آخر، وغياب سبب قانوني للإثراء. فإذا نشأ الإثراء عن عقد صحيح أو نص قانوني، فلا تقوم دعوى الإثراء بلا سبب. ولهذا يصعب تطبيق المبدأ مباشرة على القرض المصرفي، لأن عقد القرض نفسه سبب قانوني.
لماذا يرى بعض الباحثين أن خلق النقود من أكل أموال الناس بالباطل؟
يرى هؤلاء الباحثون أن البنك يحصل على عائد من مال لم يكسبه بجهد أو ادخار، وأن خلق النقود ينقل جزءاً من ثروة المجتمع إلى البنوك. ومن أبرز الدراسات التي عرضت هذا الرأي دراسة فقهية أعدّها الباحثان علي رضا عالي بناه ومحمد حسن تاج لنكرودي في إيران عام 2017. وتستند الدراسة إلى حجتين رئيسيتين، مع إقرارها بأن العملية لا تندرج تحت أي عنوان من عناوين الباطل الشرعي.
الحجة الأولى أن البنك ينشئ الوديعة بقيد محاسبي لا يقابله مال موجود مسبقاً، في حين يسدد المقترض أصل القرض وعائده من دخل يكسبه بعمله. فالمقترض لا يستطيع أن يخلق النقود كما يفعل البنك، ولذلك يرى أصحاب هذا الرأي أن المعاوضة غير متكافئة. ويسمي الاقتصاديون ربح الإصدار النقدي «ريع سك العملة»، ويرى بعض الباحثين أن البنوك تحصل على جزء منه عندما تخلق النقود عبر القروض.
الحجة الثانية تتعلق بالتضخم، أي الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار. فبحسب الدراسة، تزيد القروض الجديدة الكتلة النقدية المتداولة، فترتفع الأسعار وتنخفض القوة الشرائية لمدخرات الناس ورواتبهم. وبهذا تنتقل الثروة الحقيقية من فئات في المجتمع لم تكن طرفاً في عقد القرض إلى البنوك، ويعدّ أصحاب هذا الرأي ذلك باطلاً عرفياً.
وتذهب دراسة عالي بناه وتاج لنكرودي أبعد من هذا الوصف. فهي تخلص إلى أن خلق النقود يندرج تحت عنوانين فقهيين: أكل المال بالباطل والغصب. وبناءً على ذلك ترى أن حكمه الشرعي التحريم.
وتؤكد دراسات عربية الأثر الاقتصادي الذي تستند إليه الحجة الثانية، من غير أن تصل بالضرورة إلى الحكم نفسه. فقد درس الباحث عامر يوسف العتوم من جامعة اليرموك في الأردن هذه الظاهرة من منظور إسلامي عام 2018. وبيّن أن خلق نقود الودائع يمكّن البنوك من تقديم قروض تتجاوز ودائعها الفعلية، ويؤثر في المعروض النقدي ومستوى الأسعار.
ولا يقتصر الاتجاه المانع على الباحثين الإيرانيين. ففي عام 1998 نشر الاقتصادي عبد الجبار السبهاني بحثاً في مجلة جامعة الملك عبد العزيز للاقتصاد الإسلامي بعنوان «النقود الإسلامية كما ينبغي أن تكون». ورأى فيه أن إصدار العملة وتوليدها من وظائف ولي الأمر، ولا ينبغي أن يُترك لجهات خاصة تبتغي الربح كالمصارف التجارية.

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، داخل إحدى المنشآت المالية أو مراكز طباعة العملة التابعة للمصرف المركزي. يظهر في الصورة فحص دقيق لرزم كبيرة ومكدسة بانتظام من الأوراق النقدية المحلية، مما يعكس قوة الاقتصاد الوطني والرقابة الصارمة على القطاع المالي والمصرفي لضمان استقرار وقوة "الدرهم الإماراتي".
ما حجج الرأي المقابل الذي يرى العملية مشروعة؟
يرى الفريق المقابل أن خلق النقود ليس أكلاً للمال بالباطل في ذاته، لأن القرض عقد يرضى به الطرفان. فالمقترض يحصل على قوة شرائية حقيقية يشتري بها سلعاً وخدمات فعلية، ويتحمل البنك بدوره خطر عدم السداد وتكاليف التشغيل. ويدخل هذا التبادل، في نظرهم، تحت استثناء «التجارة عن تراضٍ» الوارد في الآية.
وفي دراسة لاحقة نشرتها مجلة «الاقتصاد الإسلامي» الإيرانية، ناقش باحثون من جامعة قم حجج المانعين واحدة واحدة. وشملت هذه الحجج الدخل غير المشروع للبنوك، وتعذّر رد جميع الودائع، وارتباط العملية بالربا، وأثرها التضخمي. وانتهى الباحثون إلى أن خلق النقود في مساره السليم ليس من أكل المال بالباطل. أما شبهة التحريم فمصدرها سوء الإدارة وضعف الالتزام بمعايير السلامة المصرفية، لا طبيعة العملية نفسها.
وفي الجزائر عرضت الباحثة مريم تومي عام 2021 خلاف علماء الاقتصاد الإسلامي بين مانع لهذه العملية ومؤيد لها. وتناولت صيغ التمويل الإسلامي مثل المضاربة والمشاركة والمرابحة والاستصناع والسلم. ثم رجّحت جواز خلق النقود في المصارف الإسلامية، حتى لا تتعطل ثروة المجتمع.
أما حجة التضخم فيرد عليها المجيزون بأن ارتفاع الأسعار له أسباب متعددة، ولا ينتج عن كل زيادة في القروض. ويضيفون أن البنوك المركزية تتحكم في نمو الإقراض والكتلة النقدية عبر سعر الفائدة، بهدف إبقاء التضخم منخفضاً ومستقراً كما يوضح بنك إنجلترا. ووفق هذا الرأي، يعالج الخللَ تشديدُ الرقابة والسياسة النقدية، لا تحريمُ العملية من أصلها.
ويلخص الجدول التالي أبرز نقاط الخلاف بين الفريقين:
محور الخلاف | رأي المانعين | رأي المجيزين |
|---|---|---|
مصدر المال المقرَض | قيد محاسبي بلا مقابل سابق | التزام حقيقي على البنك تجاه المقترض |
رضا الطرفين | الضرر يقع على المجتمع لا على المقترض وحده | العقد تجارة عن تراضٍ بين الطرفين |
أثر التضخم | ينقل الثروة من الناس إلى البنوك | له أسباب متعددة ويضبطه البنك المركزي |
الحكم الفقهي | من أكل المال بالباطل والغصب | جائز إذا التزمت البنوك بالضوابط |
المصدر: دراسات السبهاني (1998)، وعالي بناه وتاج لنكرودي (2017)، وتومي (2021)، وباحثين من جامعة قم.
ويتضح من المقارنة أن الخلاف لا يدور حول وجود هذه الآلية، بل حول عدالة توزيع منافعها وضوابطها.
ما البدائل المقترحة للنظام المصرفي الحالي؟
أشهر البدائل المقترحة نظام الاحتياطي الكامل، الذي يُلزم البنوك بتغطية الودائع الجارية بنسبة 100% من احتياطيات لدى البنك المركزي. وفي هذا النظام يقتصر خلق النقود على البنك المركزي وحده، ويصبح دور البنوك الوساطة بين المدخرين والمقترضين. وتعود الفكرة إلى اقتصاديين أمريكيين في ثلاثينيات القرن العشرين، وعُرفت باسم «خطة شيكاغو». وأعاد صندوق النقد الدولي النقاش إلى الواجهة عام 2012 بورقة عمل للباحثَين يارومير بينيش ومايكل كومهوف. وحملت الورقة عنوان «إعادة النظر في خطة شيكاغو» (The Chicago Plan Revisited).
والتقت هذه الفكرة مع كتابات في الاقتصاد الإسلامي. ففي عام 2004 نشر الاقتصادي المصري معبد علي الجارحي تعليقاً علمياً في مجلة Islamic Economic Studies. وتناول التعليق القواسم المشتركة بين خطة شيكاغو والإسلام في علاج الأزمات المصرفية. وقبل ذلك بنحو عقدين، أصدر محمد عمر شابرا كتابه «نحو نظام نقدي عادل» (Towards a Just Monetary System) عام 1985. وكان شابرا آنذاك المستشار الاقتصادي لمؤسسة النقد العربي السعودي، وناقش في الكتاب المال والمصارف والسياسة النقدية في ضوء التعاليم الإسلامية.
وخضعت الفكرة لاختبار سياسي في سويسرا، إذ صوّت الناخبون في 10 يونيو 2018 على مبادرة «النقود السيادية» (Vollgeld). وكانت المبادرة ستمنح البنك الوطني السويسري وحده حق خلق النقود، وتمنع البنوك التجارية من إنشائها عند الإقراض. ورفضها 75.7% من المصوّتين، بعد أن عارضتها الحكومة والبنك الوطني السويسري. وأوضح البنك بعد التصويت أن تطبيق المبادرة كان سيجعل السيطرة على التضخم في سويسرا أصعب بكثير.
الوضع اليوم: أين وصل النقاش حتى عام 2026؟
حتى عام 2026 لم يتفق الباحثون على حكم فقهي واحد في خلق النقود، وما زالت البنوك تنشئ معظم الأموال المتداولة عبر القروض. وقد عزّزت التطورات التنظيمية بعد عام 2019 الصورة التي رسمها بنك إنجلترا. ففي 15 مارس 2020 أعلن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خفض نسب الاحتياطي الإلزامي إلى صفر، وبدأ تطبيق القرار في 26 مارس 2020. وما زالت النسبة عند الصفر وفق الموقع الرسمي للاحتياطي الفيدرالي. ولذلك يصعب تطبيق المضاعف بصيغته التقليدية على النظام المصرفي الأمريكي، لأن البنوك هناك لم تعد ملزمة بنسبة احتياطي محددة.
وعلى الصعيد الفقهي، استمرت الدراسات في الاتجاهين. ففي عام 2025 نشرت مجلة «معرفة الاقتصاد الإسلامي» الإيرانية دراسة خلصت إلى أن خلق النقود من العدم لا يتوافق مع مقتضى القواعد الفقهية. وفي المجلة نفسها اقترحت دراسة أخرى سبعة معايير لخلق النقود الصحيح في البنوك، بدلاً من رفض أصل العملية.
ويعني ذلك للقارئ العربي أن سؤال «هل تخلق البنوك المال؟» لم يعد موضع خلاف كبير بين الاقتصاديين. أما السؤال المفتوح فهو: من يستفيد من خلق النقود، وما الضوابط الشرعية والتنظيمية التي تجعله عادلاً للمجتمع؟ وتختلف الإجابة باختلاف موقف كل باحث من توزيع الربح والمخاطر بين البنك والمقترض والمجتمع.
الخلاصة
خلق النقود حقيقة اقتصادية تؤكدها البنوك المركزية والدراسات التجريبية، إذ تنشئ البنوك التجارية معظم الأموال المتداولة عند منح القروض. أما الحكم الفقهي فما زال موضع خلاف بين الباحثين. فريق يعدّه من أكل أموال الناس بالباطل بسبب عائده غير المتكافئ وأثره في الأسعار، وفريق يراه عقداً مشروعاً يفسده سوء الإدارة لا طبيعته. ويبقى جوهر النقاش في الضوابط التي تجعل هذه القدرة عادلة للمجتمع.
الأسئلة الشائعة
هل تطبع البنوك التجارية النقود؟
لا، فهذه البنوك لا تطبع الأوراق النقدية، إذ يختص البنك المركزي بإصدارها في معظم الدول. لكن البنك التجاري ينشئ أموالاً في صورة ودائع رقمية عندما يمنح قرضاً، فيضيف المبلغ إلى حساب المقترض بقيد محاسبي. وتشكّل هذه الودائع الجزء الأكبر من الأموال التي يستعملها الناس في مدفوعاتهم اليومية.
ما معنى خلق النقود من العدم؟
تصف هذه العبارة إنشاء البنك وديعة جديدة عند منح القرض، من غير أن ينقل المبلغ من حساب عميل آخر. ولا تعني العبارة أن هذه الأموال بلا قيمة أو بلا قيود، فالمقترض يلتزم بالسداد، والبنك يخضع لمتطلبات رأس المال والسياسة النقدية. وتستعمل العبارة كثيراً في النقاش الفقهي والاقتصادي حول عدالة هذه الآلية.
هل الإثراء بلا سبب هو أكل المال بالباطل نفسه؟
ليسا مترادفين تماماً، وإن تقاربا في الغاية. فالأول قاعدة فقهية تحرّم كل كسب غير مشروع، أما الثاني فمبدأ قانوني يُلزم من أثرى على حساب غيره دون سبب مشروع برد ما أثرى به. والفرق العملي المهم أن وجود عقد صحيح يمنع هذه الدعوى عادةً. ومن تطبيقات المبدأ القانوني في القضاء المصري ردّ ما دُفع دون وجه حق.
هل تخلق المصارف الإسلامية النقود أيضاً؟
نعم، تشير دراسات متخصصة إلى أن التمويل الذي تمنحه المصارف الإسلامية يولّد ودائع جديدة كما يحدث في البنوك التقليدية. ويختلف الباحثون في حكم ذلك بين مانع ومجيز. ويركز المجيزون على ضبط العملية بمعايير واضحة، بدلاً من منعها كلياً، حفاظاً على دور التمويل في تحريك الاقتصاد.









