لماذا تتعثر مشاريع البتروكيماويات في إيران؟
تتعثر مشاريع البتروكيماويات في إيران لأن عدداً منها أُقيم في محافظات داخلية بعيدة عن مصادر المياه واللقيم الرخيص. ويحدث ذلك رغم أن هذه الصناعة تستهلك كميات كبيرة من المياه. وتزيد موجات الجفاف المتتالية ونقص المياه من صعوبة تشغيل هذه المشاريع وتمويلها. لذلك قررت الحكومة الإيرانية عام 2025 حظر إقامة الصناعات كثيفة الاستهلاك للمياه بعيداً عن السواحل. ثم كشفت حرب عام 2026 مخاطر تركّز الصناعة في مجمعين ساحليين.

ما هي البتروكيماويات ولماذا تهم الاقتصاد الإيراني؟
البتروكيماويات هي مواد كيميائية تُستخرج من النفط والغاز الطبيعي، مثل الإيثيلين والبروبيلين والميثانول، وتُصنع منها البلاستيك والأسمدة والألياف الصناعية. وتنقسم الصناعة إلى مرحلتين: صناعات أولية تحوّل الغاز إلى مواد أساسية، ومصانع لاحقة تحوّل هذه المواد إلى منتجات نهائية. ويحدد هذا التقسيم موقع المصانع المناسب وعدد الوظائف التي توفرها.
وتُعد هذه الصناعة ثاني مصدر للعملة الأجنبية في إيران بعد النفط، وفق دراسة نشرتها جامعة ياسوج. فقد تأسست عام 1963، ثم توسعت حتى ضمت أكثر من 57 مجمعاً بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 70 مليون طن سنوياً. ويتركز الجزء الأكبر منها في منطقة عسلوية على ساحل الخليج، قرب حقل بارس الجنوبي للغاز.
وتعتمد هذه الصناعة على الغاز الرخيص لقيماً أساسياً، لذلك يُعد القرب من حقول الغاز ميزة حاسمة. فهذه المنطقة وحدها تضم أكثر من 13 مليون طن من طاقة إنتاج الميثانول، أي نحو 75% من الطاقة الإيرانية الإجمالية، وفق مؤسسة ICIS المتخصصة. ويُعد الميثانول والبوليمرات وجلايكول الإيثيلين من أبرز صادرات إيران الكيميائية، وهي منتجات أولية في الغالب.
ما المقصود بمشاريع البتروكيماويات «سيئة التعريف»؟
يُطلق خبراء إيرانيون وصف «المشاريع سيئة التعريف» على مشاريع البتروكيماويات التي اختير موقعها دون مراعاة توافر المياه واللقيم والطلب في السوق. ففي ديسمبر 2019 أشار تحليل إيراني متخصص، استناداً إلى أرقام الشركة الوطنية للصناعات البتروكيماوية، إلى توقف أكثر من 15 مشروعاً. ووفق التحليل نفسه، وُضع حجر الأساس لبعض هذه المشاريع قبل أكثر من 12 عاماً، دون أن يتجاوز تقدمها الفعلي 10%.
وأرجع التحليل توقف معظم هذه المشاريع إلى سببين رئيسيين. الأول بُعدها عن مصادر المياه واللقيم الرخيص والمستقر، والثاني ضعف التوازن بين ما ستنتجه وما يحتاجه السوق المحلي والخارجي. وأضاف أن ضغوطاً من نواب في البرلمان ومسؤولين محليين دفعت إلى إقامة مشاريع في محافظات تعاني شح المياه، خلافاً لسياسات التخطيط الوطني.
وتترك المشاريع المتوقفة آثاراً تتجاوز خسارة رأس المال. فالمشروع الصناعي الذي يحصل على ترخيص لاستخدام المياه قد يحجز حصة من مياه المحافظة، حتى لو لم يبدأ الإنتاج. كما تبقى الأراضي والمعدات والقروض معلقة لسنوات، بينما تنتظر المحافظة وظائف لم تتحقق. ولهذا دعا معدو التحليل إلى إلغاء تراخيص هذه المشاريع نهائياً، بدلاً من ضخ أموال جديدة فيها.
ويعكس هذا الجدل صراعاً معروفاً في دول كثيرة بين منطق التنمية المحلية ومنطق الكفاءة الاقتصادية. فالمحافظات الداخلية تريد مصانع بتروكيماويات تجذب الاستثمار وتوفر الوظائف، بينما تحتاج الصناعة الأولية إلى موقع قريب من المياه والغاز والموانئ.

مشهد بانورامي واسع يوثق منطقة صناعية كبرى، يرجح أن تكون مصفاة لتكرير النفط أو مجمعاً للبتروكيماويات. يبرز في مقدمة الصورة عدد كبير من صهاريج التخزين الأسطوانية الضخمة المخصصة للوقود والمواد الكيميائية، بينما تظهر في الخلفية أبراج التقطير، المداخن، وانبعاثات الأبخرة
لماذا يجب أن تُقام هذه الصناعة على السواحل؟
تحتاج مصانع البتروكيماويات الأولية إلى كميات كبيرة من المياه للتبريد وتوليد البخار وعمليات الإنتاج، لذلك يناسبها الساحل الذي تتوافر فيه إمكانية تحلية مياه البحر. ويقلل القرب من حقول الغاز تكلفة نقل اللقيم، بينما يسهّل القرب من الموانئ تصدير المنتجات. ولهذه الأسباب حددت وثائق التخطيط الإيراني سواحل الخليج وبحر عُمان موقعاً مفضلاً لهذه الصناعة.
ويعرض الجدول التالي أبرز القرارات الإيرانية المتعلقة بموقع الصناعات كثيفة الاستهلاك للمياه:
السنة | الجهة | مضمون القرار |
|---|---|---|
2004 | وثيقة التخطيط المكاني الوطني | منع إقامة البتروكيماويات والصناعات النفطية في الشمال وعلى بحر قزوين |
2017 | المجلس الأعلى للتخطيط المكاني | تحديد سواحل الخليج وبحر عُمان موقعاً للصناعات الملوِّثة كالبتروكيماويات |
2019 | منظمة حماية البيئة ووزارة الطاقة | رفض إقامة المصافي ومصانع البتروكيماويات والصلب في الهضبة الوسطى |
2020 | وثيقة التخطيط المكاني الوطنية الجديدة | إقرار إطار وطني لتوزيع الأنشطة على الأقاليم |
2025 | مجلس الوزراء | حرمان الصناعات كثيفة الاستهلاك للمياه خارج السواحل الجنوبية من الحوافز |
المصدر: وكالة مهر للأنباء وموقع فرارو والنص الرسمي للائحة 2025.
ويتضح من الجدول أن مبدأ نقل المشاريع كثيفة الاستهلاك للمياه إلى السواحل قائم منذ عقدين، لكن تطبيقه تأخر حتى عام 2025.
وقد شرح عيسى كلانتري، رئيس منظمة حماية البيئة الإيرانية السابق، هذا الموقف في مقابلة صحفية. فقال إن المنظمة أعلنت بالتنسيق مع وزارة الطاقة أن أي مصفاة أو مصنع بتروكيماويات أو صلب يجب أن يقام على ساحل البحر أو المياه الحدودية. لكن هذا المبدأ لم يمنع الجدل حول مشروع بتروكيماويات ميانكاله على ساحل بحر قزوين، القريب من محمية طبيعية.
وتكتسب هذه الحجج وزناً أكبر في بلد يستنزف مياهه الجوفية منذ عقود. فوفق شركة مياه طهران، لا يتجاوز الاستهلاك المنزلي 9% من إجمالي استهلاك المياه في إيران، ويذهب الجزء الأكبر من الباقي إلى الزراعة والصناعة. وأدى السحب المفرط من الطبقات الجوفية إلى هبوط الأرض في طهران ومناطق أخرى. ولهذا تتجه إيران إلى مشاريع مكلفة لتحلية المياه ونقلها، بينما تزيد المصانع الداخلية الضغط على الموارد المحدودة.
ويرفع شح المياه تكلفة الصناعة حتى على الساحل، لأن تحلية مياه البحر تحتاج إلى طاقة واستثمارات كبيرة. لكن المصانع الساحلية تملك على الأقل بديلاً عن المياه الجوفية والسطحية التي تحتاجها الزراعة ومياه الشرب. أما المصانع الداخلية فتعتمد على مياه الأنهار والآبار نفسها التي تعتمد عليها المدن، لذلك تكون أول المتضررين من الجفاف.
ما مشكلة خط أنابيب الإيثيلين الغربي؟
يُعد خط أنابيب الإيثيلين الغربي مثالاً واضحاً على محاولة إيصال اللقيم إلى مصانع داخلية بدلاً من نقل المصانع إلى الساحل. فقد أُقر المشروع عام 2002 لنقل الإيثيلين من عسلوية جنوباً إلى محافظة أذربيجان الغربية في الشمال الغربي. ويبلغ طوله 2,450 كيلومتراً، وتصل طاقته إلى 3.5 مليون طن سنوياً، ويوصف بأنه أطول خط لنقل الإيثيلين في العالم.
ويمر الخط عبر 11 محافظة، ويقع على مساره 14 مجمعاً صناعياً بلغت استثماراتها نحو 8.5 مليار دولار، وفق الشركة الوطنية. ويغذي مجمع كاويان الخط بالإيثيلين المنتج من غاز حقل بارس الجنوبي. لكن المصانع الواقعة على مساره عانت نقصاً في اللقيم، ما دفع كاويان عام 2016 إلى تشغيل مرحلته الثانية لتعويض جزء من هذا النقص.
ويرى منتقدو المشروع، ومنهم معدّو تحليل 2019، أنه غير مجدٍ اقتصادياً مقارنة بإقامة المصانع على الساحل مباشرة. فالخط الطويل يرفع تكلفة النقل والصيانة، ويجعل مصانع عدة محافظات رهينة لإمداد واحد من الجنوب. وفي المقابل يرى مؤيدوه أنه نقل الاستثمار والتنمية إلى محافظات غربية تحتاج إلى فرص عمل.
لماذا تحتاج إيران إلى الصناعات التحويلية بدل المشاريع الأولية؟
يرى خبراء أن إيران تحتاج إلى توسيع هذه الصناعات لأنها توفر وظائف أكثر وقيمة مضافة أعلى من الصناعات الأولية. فالمشاريع الأولية تحتاج إلى رأس مال ضخم لكنها توظف عدداً محدوداً من العمال، بينما تحتاج مصانع البلاستيك والمنظفات ومستحضرات التجميل إلى أيدٍ عاملة أكثر. كما يمكن إقامة هذه المصانع قرب أسواق الاستهلاك في المحافظات الداخلية، لأنها لا تستهلك كميات المياه نفسها.
واستند تحليل 2019 إلى بيانات التجارة الخارجية الإيرانية للسنة المنتهية في مارس 2019، والخاصة بنوعين من المنتجات التحويلية: المصنوعات البوليمرية، والمنظفات ومستحضرات التجميل. وأظهرت المقارنة أن قيمة الطن المصدَّر كانت أقل كثيراً من قيمة الطن المستورد في المجموعتين. ويعني ذلك أن إيران تصدّر منتجات أقل تصنيعاً، وتستورد منتجات أعلى قيمة، أي أن سلسلة القيمة لم تكتمل بعد.
ويشبه ذلك أن تبيع دولة البولي إيثيلين خاماً بسعر منخفض، ثم تستورد العبوات البلاستيكية المصنوعة منه بسعر أعلى. وكلما طالت سلسلة التصنيع داخل البلد، زاد الدخل والوظائف التي تبقى فيه. ولهذا أجاز قرار أكتوبر 2025 إقامة مشاريع تكمل سلسلة القيمة في محافظات داخلية مثل فارس، مع حظر الصناعات الأولية فيها.
الوضع اليوم: ماذا تغيّر منذ عام 2019؟
تحولت التحذيرات من نقص المياه منذ عام 2019 إلى أزمة فعلية. ففي نوفمبر 2025 أعلنت هيئة المياه الإيرانية أن ثلثي سعة السدود في البلاد فارغة. وأضافت أن 20 محافظة من أصل 31 لم تسجل أي أمطار منذ بداية السنة المائية. وانخفضت مخزونات المياه في سدود طهران إلى أدنى مستوى منذ 60 عاماً، وحذّر الرئيس مسعود بزشكيان من احتمال إخلاء العاصمة إذا لم تهطل الأمطار.
وحمّلت جهات مهنية إيرانية جزءاً من أزمة المياه في إيران لسوء الإدارة والقرارات المتفرقة في الزراعة والصناعة. وفي هذا السياق أقر مجلس الوزراء في ربيع 2025 لائحة تنفيذية للتخطيط المكاني. وتنص اللائحة على حرمان الصناعات كثيفة الاستهلاك للمياه والطاقة، إذا أُقيمت خارج السواحل الجنوبية، من الإعفاءات والحوافز، واحتساب المياه والكهرباء واللقيم لها بسعر التكلفة الكاملة.

وفي 13 أكتوبر 2025 أبلغ حسن عباس زاده، المدير التنفيذي للشركة الوطنية، الشركات القابضة بهذا القرار. وأعلن أن إقامة الصناعات كثيفة الاستهلاك للمياه في غير المناطق الساحلية أصبحت ممنوعة. وبذلك تحولت الفكرة التي دعا إليها تحليل 2019 إلى سياسة رسمية بعد نحو 6 سنوات.
لكن عام 2026 كشف الوجه الآخر لتركيز الصناعة على الساحل. ففي 4 و6 أبريل 2026، خلال الحرب التي شهدتها إيران، استهدفت ضربات جوية إسرائيلية أكبر مجمعين لهذه الصناعة في البلاد. وكانت الضربة الأولى في ماهشهر، والثانية في منطقة بارس الجنوبية. وأصابت الضربات هناك شركات تزود المصانع بالمياه والكهرباء والأكسجين، فتوقفت مصانع عدة أو خفضت إنتاجها. ثم علّقت إيران صادراتها من البتروكيماويات مؤقتاً في منتصف أبريل لتأمين حاجة السوق المحلية.
وفي أواخر سبتمبر 2026 قال أميد شاكري، المدير التنفيذي الجديد للشركة الوطنية، إن 60% من الطاقة المتضررة عادت إلى الإنتاج. وتوقع ظروفاً أصعب خلال العام بسبب أضرار منشآت الطاقة وعجز الغاز. ويعني ذلك أن مستقبل هذه الصناعة يتوقف اليوم على المياه والغاز والأمن معاً، لا على الموقع الساحلي وحده.
الخلاصة
تتعثر مشاريع البتروكيماويات في إيران أساساً لأن بعضها أُقيم في محافظات داخلية تفتقر إلى المياه واللقيم الرخيص، تحت ضغط اعتبارات محلية. وبعد سنوات من التحذيرات، حوّلت الحكومة عام 2025 مبدأ الإقامة على السواحل إلى سياسة ملزمة، بالتزامن مع أزمة مياه غير مسبوقة. لكن حرب 2026 أظهرت أن التركيز الساحلي يحمل بدوره مخاطر أمنية، وأن الحل يتطلب أيضاً توسيع الصناعات التحويلية وتنويع مواقع المصانع.
الأسئلة الشائعة
ما الفرق بين الصناعات البتروكيماوية الأولية والتحويلية؟
الصناعات البتروكيماوية الأولية تحوّل الغاز الطبيعي أو مشتقات النفط إلى مواد أساسية مثل الإيثيلين والميثانول، وتحتاج إلى استثمارات ضخمة ومياه كثيرة. أما الصناعات التحويلية فتحوّل هذه المواد إلى منتجات نهائية، كالأنابيب البلاستيكية والعبوات والمنظفات. وتوفر الثانية عادة وظائف أكثر لكل دولار مستثمر، ويمكن إقامتها قرب أسواق الاستهلاك.
أين تقع أكبر مجمعات البتروكيماويات في إيران؟
يقع أكبر مجمعين في البلاد على ساحل الخليج: عسلوية في محافظة بوشهر قرب حقل بارس الجنوبي، وماهشهر في محافظة خوزستان. وقدّرت تقارير صحفية غربية أن المجمعين يمثلان معاً نحو 85% من الطاقة الإنتاجية للبلاد. وتوجد مصانع أصغر في محافظات داخلية، ومنها المصانع الواقعة على خط أنابيب الإيثيلين الغربي.
لماذا تستهلك صناعة البتروكيماويات كميات كبيرة من المياه؟
تستخدم مصانع البتروكيماويات المياه لتبريد المعدات، وإنتاج البخار اللازم للتسخين وتشغيل التوربينات، وفي بعض التفاعلات الكيميائية نفسها. ولهذا تحتاج المصانع الأولية الكبيرة إلى إمدادات مياه ثابتة على مدار السنة. وفي المناطق الساحلية يمكن تأمين هذه المياه بتحلية مياه البحر، أما في المناطق الداخلية فتنافس الصناعة الزراعة والسكان على موارد المياه نفسها.









