قضية إبستين: فضيحة الاستغلال الجنسي الأكثر إثارة في القرن الحادي والعشرين
تشير قضية إبستين إلى مجموع الإجراءات الجنائية والتحقيقات والدعاوى المدنية المتعلقة بالاتهامات الموجّهة إلى جيفري إبستين بتأسيس شبكة للاستغلال الجنسي شملت — وفقاً للنيابة العامة في نيويورك — عشرات بل ربما مئات القاصرات والشابات، اللواتي ينحدر معظمهن من أوساط اجتماعية محرومة. وإلى جانب إبستين نفسه، الذي تُوفّي في السجن في أغسطس 2019، تركّز الاهتمام على محيطه المقرّب وعلى دائرة واسعة من السياسيين ورجال الأعمال والشخصيات العامة الذين ذُكرت بعض أسمائهم في الوثائق القضائية والإعلام والشهادات، ما جعل هذه القضية واحدة من أبرز الفضائح الجنسية في القرن الحادي والعشرين.
لا تزال فضيحة إبستين تتصدّر العناوين العالمية حتى عام 2026، بعد أن أصدرت وزارة العدل الأمريكية في 30 يناير 2026 ما يزيد على 3 ملايين صفحة من الوثائق و2,000 شريط فيديو و180,000 صورة، فيما اعتُقل عدد من الشخصيات النافذة بسبب صلاتها بـ إبستين، من بينها أندرو ماونتباتن-ويندسور (الأمير أندرو سابقاً) والدبلوماسي البريطاني بيتر ماندلسون. كما توفّيت أبرز ضحاياه فيرجينيا جيوفر منتحرةً في أبريل 2025 بأستراليا، ما أعاد القضية إلى صدارة المشهد الإعلامي العالمي، بما في ذلك في وسائل الإعلام العربية في الإمارات والسعودية وقطر.

حقائق سريعة عن قضية إبستين (محدّثة 2026)
المعلومة | البيان |
|---|---|
اسم القضية | قضية إبستين |
الشخصية الرئيسية | جيفري إدوارد إبستين |
تاريخ ومكان ميلاد إبستين | 20 يناير 1953 في بروكلين، نيويورك |
تاريخ ومكان الوفاة | 10 أغسطس 2019 (66 عاماً)، مركز التصحيح المركزي، مانهاتن |
سبب الوفاة | انتحار شنقاً (وفق التشريح الرسمي) — مع جدل واسع |
ثروة إبستين المُقدَّرة | نحو 559 مليون دولار (موجودات وقت الوفاة 2019) |
المهنة | مولّ ومدير ثروات لأثرياء عالميين |
أبرز الجرائم | الاتجار الجنسي بالقاصرات، الاستغلال الجنسي، تأسيس شبكة دعارة |
الشخصية الثانية الرئيسية | غيسلين ماكسويل (شريكة إبستين) — حُكم عليها بالسجن 20 عاماً في 28 يونيو 2022 |
أبرز الضحايا | فيرجينيا جيوفر (1983-2025)، ماريا فارمر، أنوك دو غرور، أكثر من 250 ضحية موثَّقة |
حجم وثائق إبستين المنشورة | 3.5 مليون صفحة وثائق + 2,000 فيديو + 180,000 صورة (حتى 30 يناير 2026) |
أبرز الممتلكات | جزيرة إبستين (ليتل سانت جيمس)، منزل إبستين نيويورك (هربرت ن. شتراوس)، فيلا بالم بيتش، شقة باريس، مزرعة نيومكسيكو |
وسيلة النقل الرئيسية | طائرة إبستين الخاصة بوينغ 727 ("لوليتا إكسبريس") |
أحدث التشريعات | 19 نوفمبر 2025: قانون الشفافية في ملفات إبستين (Epstein Files Transparency Act) |
من هو جيفري إبستين؟ سيرة حياة وصعود المال الغامض
يتساءل كثير من القرّاء العرب من هو جيفري إبستين الذي شغل وسائل الإعلام العالمية لأكثر من عقدين. وُلد جيفري إدوارد إبستين في 20 يناير 1953 في حي كوني آيلاند ببروكلين بمدينة نيويورك، إحدى أكبر مدن الولايات المتحدة الأمريكية، لعائلة يهودية من الطبقة العاملة المتوسطة. تفوّق في دراسة الرياضيات والفيزياء منذ صغره، ودرس في معهد كوبر يونيون ثم في جامعة نيويورك دون أن يتمّ شهادته الجامعية في أيّ منهما، إذ يُعدّ تقنياً "منقطعاً عن الدراسة" (college dropout). وتظلّ الولايات المتحدة الإطار الجغرافي الأبرز لقضيته بأكملها، من فلوريدا إلى نيويورك إلى جزر العذراء الأمريكية.

بدأ مسيرته المهنية في مطلع السبعينيات بالتدريس في مدرسة "دالتون" الخاصة في مانهاتن، حيث درّس الرياضيات والفيزياء لأبناء النخبة الأمريكية. ومن خلال علاقاته بأهالي طلابه، تعرّف إلى آلان غرينبرغ المدير التنفيذي لبنك "بير ستيرنز" الاستثماري، الذي وظّفه في البنك عام 1976 رغم عدم امتلاكه أي شهادة جامعية، وهي خطوة غير مسبوقة في وول ستريت. غادر بير ستيرنز عام 1981 وأسس شركة J. Epstein & Company التي تحوّلت لاحقاً إلى Financial Trust Company ومقرّها جزر العذراء الأمريكية لتجنّب الضرائب.
لطالما وُصف إبستين بأنه ميلياردير إبستين في وسائل الإعلام، لكن مجلة "فوربس" أكدت مراراً أنه لم يظهر في قائمة أغنى 400 أمريكي قطّ، وأن مصدر ثروته يظلّ غامضاً. وكشف ملف قضائي أصدرته السلطات الأمريكية بعد اعتقاله في 2019 أن إجمالي موجوداته كان نحو 559.12 مليون دولار فقط، أي أقلّ بكثير من حدّ المليار. كان لإبستين زبون رئيسي معروف هو ليس وكسنر، مؤسّس فيكتوريا سيكريت ومجموعة L Brands، الذي منحه توكيلاً عاماً (power of attorney) على أمواله وثقاته الاستئمانية، قبل أن يقطع علاقته معه عام 2007. كما عمل لاحقاً مع رجل الأعمال ليون بلاك مؤسس أبولو غلوبال مانجمنت.
وتُمثَّل ثروة إبستين بالكامل بـالدولار الأمريكي، العملة الرسمية للولايات المتحدة وعملة الاحتياطي العالمية الأولى. ويُعدّ الدولار الأمريكي العملة المرجعية في التحقيقات المالية الدولية، وقد جُمعت كل موجودات إبستين العقارية والاستثمارية وقُيّمت بالدولار. ومن المثير أن جزءاً كبيراً من ثروته أُودع في شركات في جزر العذراء الأمريكية، حيث الضرائب منخفضة، ما سهّل عليه إخفاء حجم أرباحه الحقيقي. ويتابع المستثمرون العرب في الإمارات والسعودية أرقام هذه الثروة باهتمام لكونها مرتبطة بأسواق وول ستريت التي يستثمر فيها صناديق سيادية خليجية.
جدول مفصّل لثروة إبستين عند الوفاة (وثيقة قضائية 2019):
القيمة بالدولار الأمريكي | نوع الأصول |
|---|---|
194.9 مليون دولار | صناديق التحوّط والاستثمارات الخاصة |
112.7 مليون دولار | أسهم وسندات |
14.3 مليون دولار | دخل ثابت |
55.9 مليون دولار | منزل مانهاتن (شارع 71 الشرقي) |
12.38 مليون دولار | فيلا بالم بيتش، فلوريدا |
17.25 مليون دولار | مزرعة نيومكسيكو |
63.87 مليون دولار | جزيرة ليتل سانت جيمس |
نحو 87 مليون دولار | نقد وسيولة وأصول أخرى |
559.12 مليون دولار | إجمالي الثروة |
في عام 2023، بيعت كل من جزيرة ليتل سانت جيمس وجزيرة جراند سانت جيمس المجاورة معاً لرجل الأعمال ستيفن ديكوف، مؤسس شركة الاستثمار البديل "بلاك دايموند كابيتال"، مقابل 60 مليون دولار. وأُعلن أن العائدات ستُستخدم لتعويض ضحايا إبستين عبر صندوق خاص أنشأته إدارة جزر العذراء الأمريكية.
السياق والخلفية: نشوء فضيحة إبستين في تسعينيات القرن العشرين
في عام 1996، أبلغت الفنانة ماريا فارمر السلطات المحلية والفيدرالية بتعرّضها لاعتداء جنسي تقول إنه ارتُكب من قِبل جيفري إبستين وغيسلين ماكسويل في الوقت الذي كانت تعمل فيه "فنانة مقيمة" في منزل الملياردير ليس وكسنر بولاية أوهايو. وبعد أقل من عام، صرّحت الممثلة أليسيا أردن لشرطة لوس أنجلوس بأن إبستين قدّم نفسه على أنه مسؤول توظيف لعلامة فيكتوريا سيكريت (المرتبطة هي الأخرى بوكسنر) قبل أن يعتدي عليها جنسياً.
في عام 2001، يُقال إن إبستين قد حُظر من الدخول إلى نادي مار-أ-لاغو التابع لـدونالد ترامب في فلوريدا، بعد اتهامه بإقامة علاقات مع موظفة قاصر في المنتجع. ويُنظر إلى هذه الحوادث بأثر رجعي على أنها أولى الإشارات إلى نمط سلوكي أوسع، صار لاحقاً منشأ هذه القضية. وكان دونالد ترامب — رجل الأعمال آنذاك والذي تولّى لاحقاً منصب الرئيس الخامس والأربعين والسابع والأربعين للولايات المتحدة — قد جمعته بإبستين علاقة معروفة في أوساط نخبة فلوريدا ونيويورك في تسعينيات القرن العشرين، قبل أن يُصرّح ترامب في 2019 أنه قطع علاقته بإبستين منذ سنوات. وتظلّ صور وفيديوهات لقاءاتهما من أكثر العناصر استعمالاً في الخصومات السياسية الأمريكية.
وقد بدأت بوادر فضيحة إبستين تتبلور في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين، حين بدأ إبستين باستضافة حفلات صاخبة في منازله العديدة، يتردّد عليها سياسيون من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ورجال أعمال وعلماء بارزون، ونجوم سينما وأمراء أوروبيون. ومن أبرز الأسماء التي رُبطت به إعلامياً بيل كلينتون وبيل غيتس وستيفن هوكينغ والأمير أندرو دوق يورك. غير أن المصاحبة لا تعني التورّط في الجرائم، إذ أكّد كثير منهم لاحقاً أنهم لم يكونوا على دراية بطبيعة الأنشطة الإجرامية.

تصميم صحفي يبرز جيفري إبستين في الواجهة، مع خلفية باللون الأحمر تضم مستندات محجوبة وصوراً أرشيفية تعكس الغموض والتحقيقات العميقة حول قضيته
التحقيق في بالم بيتش (2005-2008) وأولى جرائم إبستين الموثَّقة
بدأت أولى فصول الملاحقة القانونية لجيفري إبستين في ولاية فلوريدا، حيث تكشّفت خيوط شبكة الاستغلال الجنسي التي أدارها خلف أبواب قصره الفاخر. شكّلت هذه الفترة الممتدة بين عامي 2005 و2008 نقطة الأساس لتوثيق نمطه الإجرامي الممنهج الذي استهدف الفتيات القاصرات. ورغم قوة الأدلة التي جمعتها السلطات المحلية في تلك المرحلة وحجم الانتهاكات المكتشفة، إلا أن هذا التحقيق مهّد لاحقاً لواحدة من أكثر الصفقات القانونية إثارة للجدل في تاريخ القضاء الأمريكي.
بداية تحقيق الشرطة
في عام 2005، توجّهت والدة فتاة في الرابعة عشرة من عمرها إلى شرطة بالم بيتش (فلوريدا) مؤكّدةً أن ابنتها قد اقتُيدت إلى منزل إبستين، حيث تلقّت 300 دولار مقابل "تدليك" يتضمّن خلع ملابسها حتى الملابس الداخلية، تلته أفعال ذات طابع جنسي. وبعد 11 شهراً من التحقيق وتفتيش المنزل، خلصت الشرطة إلى أن إبستين كان يدفع بانتظام لعدد من الفتيات مقابل أفعال جنسية، وأن بعضهن — وفقاً للشهادات والصور — كنّ قاصرات وقت ارتكاب الأفعال.
ووفقاً للتحقيق، كان إبستين قد أرسى نظاماً تقوم فيه بعض الفتيات بتجنيد أخريات بعرض "عمل مدفوع الأجر كمدلّكات" في فيلته؛ وأفاد العاملون في المنزل بأنه كان يتلقى هذه "التدليكات" يومياً حين يكون موجوداً في بالم بيتش. كما عُثر داخل المنزل على عدد كبير من صور فتيات صغيرات السن وكاميرات مخفية، ما فتح الباب أمام فرضيات بشأن احتمال جمع أدلة تشهير على ضيوف نافذين.
وقد وثّقت شرطة بالم بيتش، خلال عام كامل من المراقبة والتحقيق، 20 فتاة على الأقل تتراوح أعمارهن بين 14 و17 عاماً تعرّضن للاعتداء الجنسي على يد إبستين، ضمن إطار جرائم إبستين التي تُعتبر من أشدّ قضايا الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي توثيقاً في تاريخ الولاية. وكان نمط الاستهداف يركّز على فتيات من عائلات فقيرة أو مهمَّشة في مدارس بالم بيتش، يتمّ تجنيدهن من قبل فتيات أكبر سناً تعملن لدى إبستين.
اتفاق إبستين عام 2008 في فلوريدا واتفاقية عدم الملاحقة
على الرغم من توصيات الشرطة بتوجيه سلسلة كاملة من التهم الخطيرة إلى إبستين، سارت القضية وفق سيناريو أكثر تساهلاً: إذ قدّم المدعي العام للمقاطعة إلى هيئة المحلفين الكبرى مجموعة أضيق من الأدلة "المخفّفة". وفي النهاية، لم تثبّت هيئة المحلفين الكبرى سوى تهمة واحدة، هي "التحريض على البغاء"، ولم يعترف إبستين في البداية بذنبه.
وبالتوازي مع ذلك، أبرم المدعون العامون الفيدراليون في المنطقة الجنوبية لفلوريدا معه اتفاقية عدم ملاحقة (non-prosecution agreement)، أنهت عملياً إمكانية فتح ملف فيدرالي بتهم أكثر خطورة، مقابل اعتراف بالذنب في تهمتين على مستوى الولاية واتفاق على عقوبة محدودة. وفي عام 2008، أقرّ إبستين بذنبه في تهمة التحريض على الفتيات القاصرات على ممارسة البغاء، وحُكم عليه بالسجن 18 شهراً وأُدرج في سجل المجرمين الجنسيين، لكنه قضى محكوميته في ظروف ميسّرة للغاية، مع منحه الحق في مغادرة السجن يومياً للذهاب "إلى العمل في المكتب". وتُعتبر إدانة إبستين عام 2008 من أشهر حالات الإفلات النسبي من العقاب في تاريخ القضاء الأمريكي.
لم تُبلَّغ الضحايا مسبقاً بهذه الاتفاقية، رغم أن قانون حقوق الضحايا يُلزم بإبلاغهن وأخذ موقفهن بعين الاعتبار؛ وقد أثار ذلك جدلاً مديداً ودعاوى مدنية لاحقة بسبب انتهاك حقوقهن. ولاحقاً، كشفت تسريبات للمراسلات الرسمية أن الادعاء العام أبدى "احتراماً" غير معتاد لمحامي إبستين، واضطرّ المدعي العام الفيدرالي ألكسندر أكوستا إلى الاستقالة من منصبه وزيراً للعمل في الولايات المتحدة عام 2019، بعد انتقادات وُجّهت إليه بسبب هذه الاتفاقية "المتساهلة".
قضى إبستين فعلياً 13 شهراً في السجن، وأُدرج في سجل المجرمين الجنسيين، وتعرّض لسلسلة من الدعاوى المدنية؛ وفي الأثناء، حدّد مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ما لا يقل عن 36 ضحية، من بينهن فتيات تقلّ أعمارهن عن 14 عاماً. وقد قاد الاستياء الشعبي من شروط الاتفاقية ومن العدد الحقيقي للضحايا إلى إعادة تقييم القضية وإلى ممارسة ضغط على السلطات عند اعتقاله مجدداً في عام 2019.
اتهامات وملاحقات قضائية جديدة (2015-2016)

مسؤول أمريكي خلال مؤتمر صحفي رسمي يشير إلى لوحة تحمل تفاصيل قضية "الولايات المتحدة ضد جيفري إبستين"، والتي تتضمن صورته ورقم تواصل مع مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) لجمع شهادات الضحايا.
في عام 2015، أدلت فيرجينيا روبرتس جيوفر بشهادة تحت القسم تؤكد فيها أنها كانت — بدءاً من سن السابعة عشرة (تقريباً بين 1999 و2002) — "عبدة جنسية" لـ إبستين، وأنها قُدِّمت إلى "أصدقائه"، ومن بين هؤلاء ذكرت بصفة خاصة الأمير أندرو (أندرو ماونتباتن-ويندسور) والمحامي آلان ديرشوويتز. وقد نفى كل الأشخاص المذكورين الاتهامات علناً؛ وحُكم في بعض الشكاوى بأنها غير مؤسَّسة، فيما تمّت تسوية أخرى ودياً، ما عزّز شعور الرأي العام بضبابية القضية وغياب الشفافية حولها.
في الفترة نفسها، رفعت عدة نساء — تحت ستار من الإغفال — دعاوى مدنية ضد إبستين، أكّدن فيها أنه جرى "تجنيدهن" في سن المراهقة لتقديم "تدليكات" تتبعها أفعال جنسية في إقامته. وقد رُفضت بعض الشكاوى، لكن استناداً إلى تقديرات الصحافة والمحامين، أبرم إبستين ما لا يقل عن 17 تسوية ودية، فيما كانت تسويات أخرى لا تزال جارية وقت وفاته.
في عام 2016، تقدّمت امرأة كذلك بشكوى إلى محكمة فيدرالية، أكدت فيها أنها — في عام 1994 وكانت في الثالثة عشرة من عمرها — تعرّضت للاغتصاب على يد إبستين ودونالد ترامب؛ وسُحبت هذه الشكوى لاحقاً، ولم تبتّ المحكمة في جوهر هذه الادعاءات. وأوضح القاضي كينيث مارا في أحد قراراته أن الإفادات الجديدة لجيوفر ضد الأمير أندرو يجب استبعادها من هذه القضية المحدّدة المتعلقة بحقوق الضحايا، دون الإخلال بإمكانية رفع دعاوى مستقبلية حول جوهر هذه الاتهامات.
شبكة نفوذ إبستين وممتلكاته العقارية والجوّية
امتلك إبستين محفظة عقارية واسعة تظهر في شهادات الضحايا والتحقيقات بوصفها أماكن محتملة لارتكاب الجرائم. ومن بين هذه العقارات: منزل في نيويورك (Herbert N. Straus House) تبلغ مساحته نحو 2,600 متر مربع في مانهاتن، وفيلا في بالم بيتش، وشقة في باريس (شارع فوش)، ومزرعة في نيومكسيكو، وجزيرة خاصة هي ليتل سانت جيمس (في جزر العذراء الأمريكية).
ووصف شهود — من بينهم ماريا فارمر وفيرجينيا جيوفر — وجود كاميرات مخفية في غرف النوم والحمامات، فضلاً عن ممارسة دعوة "الأصدقاء" و"الزبائن" إلى حفلات خاصة؛ ووفقاً لهن، كان إبستين ومحيطه قد يستخدمون مقاطع فيديو محرجة كوسيلة ضغط. وعلى المستوى الرسمي، لم تقدّم أجهزة إنفاذ القانون للجمهور دليلاً متكاملاً على وجود نظام ابتزاز فعلي، لكن هذا الدافع لا يزال موضع نقاش في الأوساط الصحفية والبحثية.
منزل إبستين نيويورك: قصر هربرت ن. شتراوس
يقع منزل إبستين نيويورك في الجانب الشرقي العلوي (Upper East Side) من مانهاتن، تحديداً في 9 شارع 71 الشرقي بين الشارعَين الخامس ومادسون أفينيو. ويُعرف هذا القصر باسم "بيت هربرت ن. شتراوس" (Herbert N. Straus House)، نسبةً إلى ابن مؤسّس متاجر "ميسيز". تبلغ مساحته نحو 21,000 قدم مربع (أي ما يقارب 2,600 متر مربع)، ويُعدّ من أكبر العقارات السكنية الخاصة في جزيرة مانهاتن، يحتوي على 40 غرفة و7 طوابق وقاعة رقص وخزانة فنية.
والمثير للجدل في تاريخ المنزل أنه كان مملوكاً لـ ليس وكسنر، الذي اشتراه عام 1989 مقابل 13.2 مليون دولار، قبل أن ينقل ملكيته إلى إبستين عام 1996 دون مقابل علني واضح، في صفقة وصفها كثير من المحققين بأنها "غير قابلة للتفسير" بحجم الهبة. وفي 2019 — قبل أيام من اعتقاله — كان إبستين قد أعلن نقل ملكية المنزل إلى شركة "ماريك إنك" المُسجَّلة في جزر العذراء، في خطوة فُسِّرت لاحقاً بأنها محاولة لإخفاء الأصول. وبعد وفاته، بِيع المنزل عام 2021 بـ 51 مليون دولار لرجل الأعمال مايكل دالي، وخُصِّصت العائدات لصندوق تعويض الضحايا.
جزيرة إبستين: ليتل سانت جيمس وجزيرة سانت جيمس
ربما تكون جزيرة إبستين من أكثر الأماكن إثارة للجدل في القضية بكاملها. وتُعرف رسمياً باسم جزيرة سانت جيمس الصغرى (Little Saint James)، وهي جزيرة خاصة تبلغ مساحتها نحو 70-75 فدّاناً (28-30 هكتاراً) في أرخبيل جزر العذراء الأمريكية، تطلّ على البحر الكاريبي. اشتراها إبستين عام 1998 مقابل نحو 7.95 مليون دولار، وأطلق عليها سكان الجزر المجاورة لاحقاً اسم "جزيرة الأطفال" (Pedophile Island) في إشارة إلى الادعاءات بأنها كانت مسرحاً للاعتداءات على القاصرات.
بنى إبستين على جزيرة إبستين فيلا فاخرة من طابقَين، ومعبداً غريباً يُشبه الحمّامات اليونانية، وملعب تنس، ومهبط طائرات هليكوبتر، ومرسى يخوت. كما اشترى لاحقاً جزيرة سانت جيمس الكبرى المجاورة (Great Saint James) مقابل 22.5 مليون دولار. وقد وصفت فيرجينيا جيوفر في شهادتها أن الجزيرة كانت "مستعمرة معزولة" يصعب الفرار منها، وأنها استضافت كبار الضيوف من ميادين السياسة والمال.
في 2023، بِيعت جزيرتا إبستين معاً لرجل الأعمال الأمريكي ستيفن ديكوف بـ 60 مليون دولار، ومن المخطّط تحويلهما إلى منتجع سياحي فاخر، فيما خُصِّصت 50 مليون دولار من العائدات لتعويض الضحايا عبر اتفاقية مع مكتب المدعي العام لجزر العذراء الأمريكية.
طائرة إبستين "لوليتا إكسبريس" وسجل رحلات إبستين
طائرة إبستين الأشهر هي بوينغ 727-100 برقم تسجيل N908JE (تشير الحروف الثلاثة الأخيرة إلى مالكها)، أُطلق عليها في الإعلام اسم "لوليتا إكسبريس" (Lolita Express) في إشارة ساخرة إلى رواية فلاديمير نابوكوف الشهيرة عن استغلال قاصرة. اشترى إبستين الطائرة عام 2001 مقابل نحو 5 ملايين دولار من شركة TWA التي كانت تستخدمها منذ عام 1969 كطائرة ركاب. وبعد إعادة تجهيزها، أصبحت طائرة خاصة تتسع لـ 29 راكباً، تحتوي على غرفة نوم وحمّام خاصّين وأرائك تتحوّل إلى أسرّة.
وفقاً لطيار إبستين الرئيسي لاري فيسوسكي، الذي عمل مع إبستين منذ 1991 وحتى وفاته، نفّذت الطائرة نحو 1,000 رحلة بمعدل 600 ساعة طيران سنوياً. وكان سجل رحلات إبستين الذي كُشف عنه في 2019 يحوي أسماء عشرات الشخصيات البارزة، من بينهم بيل كلينتون (الذي وُثّق له 26 رحلة على الأقل)، ودونالد ترامب، والأمير أندرو، وكيفن سبيسي، وناعومي كامبل، وروبرت ف. كينيدي الابن. لكن وكلاءهم ومحاميهم أصرّوا في معظم الأحيان على أن هذه الرحلات كانت لأغراض مشروعة ولا علاقة لها بأي جرائم.
باع إبستين الطائرة عام 2017، وانتهى المطاف بالطائرة في مهجور للطائرات في برانزويك بولاية جورجيا الأمريكية، حيث ظلّت متروكة لسنوات. وفي سبتمبر 2024، تمّ تخريدها رسمياً وفقاً لسجل إدارة الطيران الفيدرالية (FAA). وقد تحوّلت قصة الطائرة بحدّ ذاتها إلى رمز إعلامي شعبي بالنسبة لكثيرين، من بينهم الجمهور العربي في الإمارات والسعودية الذي يتابع أخبار القضية عبر القنوات الإخبارية مثل الجزيرة وسكاي نيوز عربية.
جدول ممتلكات إبستين الرئيسية:
المصير | القيمة المُقدَّرة | الموقع | الممتلك |
|---|---|---|---|
بِيع 2021 بـ 51 مليون دولار | 55.9 مليون دولار | نيويورك (شارع 71 الشرقي) | منزل هربرت ن. شتراوس |
بِيعت 2021 بـ 18.5 مليون دولار، هُدمت لاحقاً | 12.38 مليون دولار | فلوريدا | فيلا بالم بيتش |
بِيعت 2022 بـ 18 مليون دولار | 17.25 مليون دولار | نيومكسيكو (سانتا فيه) | مزرعة زورو |
تحت إدارة السلطات الفرنسية | نحو 8.6 مليون يورو | شارع فوش، الدائرة 16 | شقة باريس |
بِيعت 2023 ضمن صفقة 60 مليون دولار | 63.87 مليون دولار | جزر العذراء الأمريكية | جزيرة ليتل سانت جيمس |
بِيعت 2023 ضمن صفقة 60 مليون دولار | نحو 22.5 مليون دولار | جزر العذراء الأمريكية | جزيرة جراند سانت جيمس |
بِيعت 2017، خُرّدت 2024 | نحو 5 ملايين دولار (شراء) | — | بوينغ 727 "لوليتا إكسبريس" |
اعتقال إبستين 2019 ومحاكمة إبستين الفيدرالية في نيويورك
في يوليو 2019، تهاوت شبكة الحماية والنفوذ التي تمتع بها جيفري إبستين لسنوات طويلة، لتشهد القضية تحولاً جذرياً وضع حداً لإفلاته من العقاب. شكّل اعتقاله المفاجئ وبدء إجراءات محاكمته الفيدرالية في نيويورك هزة عنيفة في الأوساط النخبوية عالمياً؛ إذ فتحت السلطات القضائية الأمريكية الباب على مصراعيه لمواجهة واحدة من أكبر وأخطر قضايا الاتجار بالجنس والاستغلال المنهجي للقاصرات في التاريخ الحديث، مما سلّط الضوء على تفاصيل المنظومة الإجرامية المعقدة التي أدارها لسنوات دون رادع.
تهم اتجار بالبشر ضد إبستين
في 6 يوليو 2019، تمّ اعتقال إبستين في مطار تيتربورو (نيوجيرسي) فور هبوط طائرته الخاصة قادمةً من باريس، ووجّهت إليه النيابة العامة للمنطقة الجنوبية في نيويورك تهمتَي الاستغلال الجنسي والاتجار بالقاصرات بموجب التشريع الفيدرالي. وأشارت لائحة الاتهام إلى أنه ظلّ — على مدار سنوات طويلة — يستدرج قاصرات لتلقّي "تدليكات" سرعان ما كانت تتحوّل إلى أفعال جنسية، ثم يحرّضهن على تجنيد ضحايا جديدات لقاء المال.
شملت تهم اتجار بالبشر ضد إبستين تحديداً: التآمر للقيام بالاتجار الجنسي بالقاصرات (sex trafficking conspiracy)، والاتجار الجنسي بقاصرات (sex trafficking of minors). وقد أكّد المدعون أن إبستين بنى منظومة منهجية لاستدراج فتيات تتراوح أعمارهن بين 14 و17 عاماً من خلفيات هشّة، ثم ينقلهن عبر طائرته بين منازله المتعددة في نيويورك وفلوريدا ونيومكسيكو وجزيرة سانت جيمس لأغراض الاستغلال الجنسي. ودعا المدعي العام جيفري بيرمان علناً ضحايا محتملات أخريات إلى التقدّم للسلطات، مؤكّداً على دور "المتعاونين والشركاء" مع إبستين الذين كانوا يساعدون في تخطيط اللقاءات وتنظيم الرحلات الجوية وتأمين وصول الضحايا إلى مساكنه. وكانت العقوبة القصوى المحتملة للتهم الموجّهة إليه تُقدَّر بالسجن 45 عاماً، أي ما يعادل فعلياً السجن المؤبد لمتهم في السادسة والستين من عمره.
الاحتجاز الاحتياطي
وُضع إبستين في مركز التصحيح المركزي (Metropolitan Correctional Center) بنيويورك، حيث كان ينتظر محاكمته المقررة في يونيو 2020. وقد رفضت المحكمة طلباته بالإفراج عنه بكفالة — التي شملت اقتراحات بكفالة مالية مرتفعة قيمتها 77 مليون دولار، ومراقبة إلكترونية وإقامة جبرية في منزله بنيويورك — بسبب احتمال فراره وخطورته المحتملة على المجتمع.
وفاة إبستين في السجن وانتحار إبستين المثير للجدل
شكّلت الوفاة المفاجئة لجيفري إبستين خلف القضبان نقطة تحول دراماتيكية في مسار واحدة من أكثر القضايا الجنائية تعقيداً في العصر الحديث. فبدلًا من أن تُمهّد محاكمته الطريق لكشف تفاصيل شبكته الواسعة والأسماء النافذة المتورطة معه، أدى موته إلى إغلاق الشق الجنائي الموجّه ضده شخصياً قبل صدور أي حكم إدانة. ومع ذلك، فإن هذه النهاية لم تطوِ صفحة القضية، بل أشعلت عاصفة من الشكوك ونظريات المؤامرة، حيث جعلت التناقضات الصارخة في الإجراءات الأمنية من حادثة وفاته لغزاً مستمراً يثير التساؤلات.
ظروف انتحار إبستين المزعوم
في صباح 10 أغسطس 2019، عثر الحرّاس على إبستين في زنزانته بمركز التصحيح المركزي في نيويورك بلا علامات حياة، وحول رقبته شريط من شرشف ملفوف ومُثبّت بإطار سريره. جرت محاولة لإنعاشه، ثم نُقل بشكل عاجل إلى المستشفى حيث أُعلنت وفاته عن عمر يناهز 66 عاماً؛ وأعلنت إدارة السجون رسمياً بسرعة عن "انتحار مزعوم"، فيما استخدم المدعي العام بيرمان تعبير "انتحار ظاهري" (apparent suicide).
قبل بضعة أسابيع من ذلك، كان إبستين قد عُثر عليه في زنزانته وبه إصابات في الرقبة، وعلى إثرها وُضع تحت مراقبة خاصة تحسّباً لأي محاولة انتحار؛ غير أن هذا النظام رُفع عنه لاحقاً. وفي خرق للقواعد، لم تُجرَ معاينات للزنزانة كل 30 دقيقة كما كان مقرّراً لأكثر من ثماني ساعات، فيما نُقل زميله في الزنزانة في اليوم السابق دون أن يُستبدل بآخر، ما أثار موجة من التساؤلات الموجّهة إلى إدارة السجن وفتح الباب أمام تكهنات بشأن تصفية متعمَّدة. ولا يزال انتحار إبستين موضوعاً للجدل الواسع في وسائل الإعلام العالمية والعربية، مع تشكيك معظم الرأي العام في الرواية الرسمية.
التشريح والجدل والتحقيقات في وفاة إبستين
أشارت النتائج الأولى للتشريح الرسمي إلى أن الوفاة ناجمة عن الشنق، وهو ما أكّدته رسمياً تقارير علنية. غير أن مايكل بادن، الخبير المستقل الذي استدعته عائلة إبستين، صرّح بأن مجموع الكسور في الرقبة — بما فيها كسر العظم اللامي (hyoïde) — أكثر شيوعاً إحصائياً في حالات الخنق منه في حالات الانتحار شنقاً، ما غذّى نظريات احتمال وقوع جريمة قتل.
فتح كل من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) والمفتش العام لوزارة العدل الأمريكية تحقيقَين مستقلَّين لتحديد ما إذا كانت هناك مخالفات أو إهمال جنائي من جانب موظفي السجن. وفي عام 2019، اتُّهم اثنان من الحرّاس هما مايكل توماس وتوفا نويل بتزوير التقارير والتآمر: إذ أظهرت تسجيلات الفيديو أنهما لم يجريا المراقبات المطلوبة في الزنازين، ثم زوّرا سجلات جولاتهما. وفي 2021، اعترفا بالذنب لكنهما حصلا على تعليق العقوبة (مراقبة وأعمال خدمة عامة) دون قضاء فعلي للسجن، في إطار اتفاق ملاحقة مؤجَّلة.
في عام 2025، نشرت وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي شريط فيديو مُسجّلاً خارج غرفة إبستين، مؤكّدَين أنهما لم يجدا أي دليل على ابتزاز أو جريمة قتل؛ غير أن تحقيقاً أجرته مجلة Wired كشف أن الشريط قد خضع لمونتاج وأن جزءاً من التسجيل مفقود، ما أثار من جديد تساؤلات حول شفافية التحقيق.
ومن أبرز الأسئلة التي طُرحت في الإعلام: لماذا تعطّلت كاميرات المراقبة عند وفاة إبستين؟ بحسب الرواية الرسمية، فإن كاميرتَي المراقبة في الممرّ المقابل لزنزانة إبستين لم تكونا في حالة عمل في تلك الليلة بسبب عُطل تقني. وفي أغسطس 2025، أكّد مكتب المفتش العام أن إحدى الكاميرتين لم تكن تعمل أصلاً، والأخرى أعادت تشغيلها بعد توقفها، ما لم يُقنع شريحة واسعة من الرأي العام. وأكّد المدير المؤقت لمكتب السجون لاحقاً أن "عواقب جنائية أو مؤسسية كبيرة لم تُفرض على المسؤولين عن هذا الإخفاق".
غيلين ماكسويل: شريكة إبستين وذراعه الأيمن
تُعدّ غيلين ماكسويل أهمّ شخصية في قضية إبستين بعد إبستين نفسه، وقد لُقّبت في الإعلام بأنها "شريكة إبستين" (Epstein's partner) وذراعه الأيمن في إدارة شبكة الاستغلال الجنسي. وُلدت في 25 ديسمبر 1961 في فرنسا، وهي ابنة قطب الإعلام البريطاني الراحل روبرت ماكسويل، صاحب جريدة "ديلي ميرور" التي كانت من أكثر الصحف الشعبية انتشاراً في المملكة المتحدة، وقد ربطتها بإبستين علاقة عاطفية ومهنية بدأت في أواخر التسعينيات. وتحمل ماكسويل الجنسيتَين البريطانية والفرنسية والأمريكية، وعاشت في لندن قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة، حيث أصبحت تتنقّل بين أوساط نخبة المجتمع الإنجليزي والأمريكي بفضل اسم عائلتها الذي ارتبط بالصحافة والمال.

صورة أرشيفية تجمع جيفري إبستين وغيسلين ماكسويل وهما يجلسان معاً في إطلالة غير رسمية أمام كوخ خشبي، وتُعد من الصور البارزة في التحقيقات والتقارير الوثائقية الخاصة بهما
اعتقال ماكسويل ومحاكمتها
في 2 يوليو 2020، اعتُقلت غيسلين ماكسويل في ولاية نيو هامبشاير؛ ووُجِّهت إليها ست تهم، من بينها التحريض على أفعال جنسية غير قانونية وتسهيل الاتجار الجنسي بالقاصرات بين عامَي 1994 و1997، فضلاً عن شهادة الزور. وقد أبقت المحكمة عليها في الاحتجاز الاحتياطي حتى المحاكمة، رافضةً الإفراج عنها بكفالة بسبب خطر الفرار وما قد تمارسه من تأثير على الشهود.
في أواخر عام 2021، أدانت هيئة المحلفين ماكسويل في خمس من التهم الست الموجّهة إليها، وفي 28 يونيو 2022 حكمت عليها المحكمة بالسجن 20 عاماً بتهمة التواطؤ في الاتجار الجنسي. وتفيد عدة تقارير صحفية بأنها تمتلك تسجيلات فيديو تظهر فيها شخصيات نافذة مع قاصرات، يمكن نظرياً استخدامها لأغراض الابتزاز؛ غير أن هذه الادعاءات تبقى في إطار التصريحات ولم تخضع لفحص قضائي معمَّق.
تقضي ماكسويل حالياً عقوبتها في سجن FCI Tallahassee الفيدرالي بفلوريدا، ومن المتوقع أن تُفرج عنها في عام 2037. وفي أغسطس 2025، نُشرت محاضر مقابلات معها أجراها المسؤولون الفيدراليون ضمن سلسلة كشف الوثائق، تضمّنت تفاصيل صادمة عن آليات تجنيد الضحايا وعلاقات إبستين بالنخبة العالمية. وقد رفضت ماكسويل دائماً تحمّل مسؤولية أفعال إبستين، مؤكّدةً أنها كانت "شريكة بريئة" لا تعلم بطبيعة جرائمه.
الأمير أندرو والعائلة الملكية البريطانية
أندرو ماونتباتن-ويندسور، المعروف سابقاً باسم "الأمير أندرو دوق يورك"، هو الشخصية الأبرز من العائلة الملكية البريطانية المتورّطة في قضية إبستين، وهو الابن الثالث للملكة الراحلة إليزابيث الثانية، والشقيق الأصغر للملك تشارلز الثالث ملك المملكة المتحدة الحالي. وقد اتُّهم أندرو من قبل فيرجينيا جيوفر بالاعتداء عليها جنسياً عام 2001 وهي في السابعة عشرة من عمرها، في كل من منزل إبستين بنيويورك وعلى جزيرة سانت جيمس. واضطرّ تشارلز الثالث بعد توليه العرش في 2022، إلى سحب جميع الألقاب الفخرية والعسكرية من أخيه، تماشياً مع رغبة الرأي العام البريطاني.
كانت الملكة الراحلة إليزابيث الثانية، التي حكمت المملكة المتحدة من 1952 إلى 2022، قد قرّرت في يناير 2022 — قبل أشهر من وفاتها — سحب الألقاب الفخرية والعسكرية من ابنها الأمير أندرو في محاولة لحماية سُمعة العائلة الملكية من تبعات فضيحة إبستين. واعتُبر هذا القرار من أصعب القرارات الشخصية التي اتّخذتها الملكة في حياتها، إذ كان الأمير أندرو من أبنائها المفضّلين. وفي فبراير 2022، أبرم الأمير أندرو تسوية ودية مع فيرجينيا جيوفر، يُقدَّر مبلغها بنحو 12 مليون جنيه إسترليني، دون الإقرار بأي خطأ، وذلك بفضل ضغوط مالية من والدته.
وفي تطوّر دراماتيكي، اعتُقل أندرو ماونتباتن-ويندسور في 18-19 فبراير 2026 من قبل الشرطة البريطانية بتهمة "سوء التصرّف في وظيفة عامة" (misconduct in public office)، وأُفرج عنه بكفالة. وكان قد أُجبر في 2025 على التخلّي عن جميع ألقابه الملكية الباقية، ومغادرة منزله الرسمي في "رويال لودج" في وندسور. وتُعدّ هذه أول مرّة في التاريخ البريطاني الحديث يُعتقل فيها شخص ينتمي مباشرة إلى العائلة الملكية الحاكمة، وفقاً لما أشارت إليه تقارير صحيفة "التايمز" البريطانية في فبراير 2026.
أشخاص آخرون مذكورون
تذكر الوثائق القضائية والشهادات — وخصوصاً في قضية جيوفر ضد ماكسويل — أسماء عدد من السياسيين ورجال الأعمال والشخصيات العامة من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسرائيل وفرنسا ودول أخرى. وقد أثارت ادّعاءات صلة إبستين بأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية جدلاً واسعاً، خاصة بعد أن نشر الصحفي الأمريكي ديلان هوارد كتاباً عام 2019 يُلمّح إلى أن إبستين كان "عميلاً" لجهاز الموساد الإسرائيلي، وهو ما نفته إسرائيل رسمياً ولم يثبت قضائياً. ومن المهم التأكيد على أن الأمر يتعلق في حالات كثيرة بتصريحات للضحايا أو بإشارات غير مباشرة في الوثائق، لا بوقائع اعترفت بها المحاكم؛ وقد رفض عدد من الأشخاص الاتهامات علناً، وحصل بعضهم على سحب الشكاوى المرفوعة بحقهم، فيما لا توجد ملاحقات جنائية جارية ضد بعض المذكورين.
ضحايا إبستين وشهادات الضحايا
بلغ عدد ضحايا قضية إبستين الموثَّقة في وثائق المحكمة أكثر من 250 امرأة، معظمهن كنّ قاصرات وقت تعرّضهن للاستغلال، وفقاً لإحصاءات مكتب الادعاء العام الأمريكي ومنظمات الدفاع عن الضحايا. وتمتدّ الجرائم على مدى أربعة عقود — من تسعينيات القرن العشرين وحتى اعتقاله في 2019 — وتشمل ضحايا من الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية.
فيرجينيا جيوفر: أبرز الضحايا ووفاتها المأساوية
ربما تكون فيرجينيا جيوفر (واسم الميلاد فيرجينيا روبرتس) أبرز ضحايا إبستين وأكثرهن تأثيراً في الإعلام العالمي. وُلدت في 9 أغسطس 1983 في سكرامنتو بكاليفورنيا، وقالت إنها التقت غيلين ماكسويل صيف عام 2000 وهي تعمل في منتجع مار-أ-لاغو التابع لدونالد ترامب، حيث كان والدها يعمل. ومن ثمّ، يُدَّعى أن ماكسويل جنّدتها لاستغلالها جنسياً من قبل إبستين و"أصدقائه"، عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها.
وقد أصبحت فيرجينيا جوفر شخصية بارزة في القضية بعد ظهورها العلني عام 2015، خاصةً بعد رفع دعوى ضد الأمير أندرو في 2021 بتهمة الاعتداء الجنسي عليها وهي في السابعة عشرة. وانتهت تلك الدعوى بتسوية ودية في فبراير 2022 لمبلغ غير مُعلَن (تشير التقارير إلى نحو 12 مليون جنيه إسترليني). وأنشأت لاحقاً منظمة "Speak Out, Act, Reclaim" لدعم ضحايا الاعتداءات الجنسية، وأصدرت مذكّراتها بعنوان "Nobody's Girl" بعد وفاتها.
في 25 أبريل 2025، توفّيت فيرجينيا جيوفر منتحرةً في مزرعتها في بلدة نيرغابي بولاية أستراليا الغربية، عن عمر يناهز 41 عاماً. وكان شقيقها قد عثر عليها فاقدة الوعي، وأكّدت الشرطة الأسترالية أن الظروف "غير مريبة". وكانت قد تعرّضت قبل أسابيع من وفاتها لحادث سير خطير حين اصطدمت حافلة مدرسية بسيارتها، وأدلت بتصريحات تنبّأت فيها بأنها "لم يتبقَّ لها سوى أربعة أيام" قبل وفاتها. وقد أدلت عائلتها ببيان وصفها بأنها "محاربة شرسة ضد الاعتداء الجنسي والاتجار بالبشر" التي "عاشت ضحيةً لاستغلال جنسي مدى الحياة". وقد تركت ثلاثة أطفال هم كريستيان ونوح وإيميلي.
شهادات الضحايا الأخريات وإفاداتهن
تشكّل شهادات الضحايا العمود الفقري للقضية ضد إبستين وشريكته ماكسويل. فإلى جانب جيوفر، أدلت عشرات النساء بشهاداتهن العلنية أو السرّية. ومن بينهن:
- ماريا فارمر (Maria Farmer): فنانة أمريكية كانت من أوائل من أبلغوا عن إبستين في 1996، وحاولت رفع قضية مع شقيقتها آني التي ادّعت أن إبستين اعتدى عليها وهي في السادسة عشرة في مزرعة نيومكسيكو.
- سارة رانسوم (Sarah Ransome): قالت إنها سُجنت على جزيرة إبستين مدة شهور، واتّهمت إبستين بتصوير اعتداءاتها بكاميرات مخفية بهدف الابتزاز.
- جينا ليسا جونز (Jena-Lisa Jones): شهدت في محاكمة ماكسويل بأنها كانت في الرابعة عشرة عندما تعرّضت للاعتداء في منزل إبستين بفلوريدا.
- "كيت" (Kate) و"كارولين" (Carolyn) و"جاين" (Jane) و"آنيي" (Annie): أسماء مستعارة لأربع ضحايا أدلين بشهادات حاسمة في محاكمة ماكسويل عام 2021، وأدّت شهاداتهن إلى إدانتها.
- شينا (Shantelle) وغيرها من العارضات الفرنسيات اللواتي ادّعين تعرّضهن للاستغلال عبر جان-لوك برونيل وشبكة إبستين الأوروبية.
في عام 2024، رفعت مجموعة من ضحايا إبستين دعوى قضائية جماعية ضد مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، اتهموه فيها بـ"التستر" على فشله في التحقيق المبكر مع إبستين، مطالبين بتعويضات تتجاوز 100 مليون دولار. وفي 2025-2026، أعلن صندوق تعويض ضحايا إبستين توزيع نحو 121 مليون دولار على أكثر من 130 ضحية، ضمن إجراءات تسوية مع تركة إبستين.
وثائق إبستين وملفات إبستين: كشف الوثائق التاريخي 2025-2026
شهدت قضية إبستين أكبر عملية كشف وثائق إبستين في تاريخها بين عامَي 2025 و2026، إثر ضغط شعبي وسياسي متواصل في الولايات المتحدة. ويُعتبر هذا الكشف من أكبر التسريبات القضائية في تاريخ النظام الأمريكي.
قانون الشفافية في ملفات إبستين
في 19 نوفمبر 2025، وقّع الرئيس الأمريكي قانون "الشفافية في ملفات إبستين" (Epstein Files Transparency Act)، الذي ألزم وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي بإفراج كامل وعلني عن جميع الوثائق المتعلقة بتحقيقات إبستين خلال 30 يوماً. وكان القانون قد مرّ بأغلبية كبيرة في الكونغرس بدفع من الحزبَين، رغم اعتراضات سابقة من الإدارة الجمهورية. وقد صرّح المدعي العام بحلول الموعد النهائي بأن "المراجعة الداخلية في وزارة العدل قد انتهت".
كشف وثائق إبستين في 30 يناير 2026
في 30 يناير 2026، أصدرت وزارة العدل الأمريكية أكبر دفعة من ملفات إبستين على الإطلاق، شملت ما يزيد على 3 ملايين صفحة، و2,000 شريط فيديو، و180,000 صورة. وبهذا، ارتفع إجمالي الوثائق المُفرج عنها إلى نحو 3.5 مليون صفحة. وتضمّنت الوثائق رسائل بريد إلكتروني، وصور حفلات، وسجلات مالية، ومحاضر مقابلات الـFBI، وقوائم رحلات الطائرة، وأسماء أشخاص جرى ذكرهم في سياقات مختلفة.
غير أن الكشف لم يخلُ من جدل: إذ انتقدت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) في فبراير 2026 "إخفاقات جسيمة في الامتثال" و"تنقيحات غير ملائمة" كشفت عن معلومات حساسة عن الضحايا قبل سحبها. وأكّد خبراء أمميون أن "جسامة هذه الجرائم ضد النساء والفتيات وطبيعتها المنهجية والامتداد عبر القارات قد تستوفي العتبة القانونية لجرائم ضد الإنسانية".
كذلك أعلنت وزارة العدل في 24 ديسمبر 2025 أن مكتب التحقيقات الفيدرالي "كشف أكثر من مليون وثيقة إضافية محتملة الصلة بقضية إبستين"، يجري حالياً مراجعتها للإفراج. وأشارت الوزارة إلى أن بعض الوثائق تحوي "اتهامات كاذبة ومثيرة" ضد الرئيس ترامب من فترة ما قبل انتخابات 2020، ووصف مكتب التحقيقات الفيدرالي مذكّرة منسوبة لإبستين موجّهة إلى لاري ناصر (طبيب الفريق الأولمبي الأمريكي للجمباز السابق) بأنها "مزيّفة" رغم نشرها.
قائمة إبستين وأسماء أبرز المتأثّرين
ظلّت قائمة إبستين تشكّل واحداً من أكبر ألغاز القضية. ففي ديسمبر 2023، قرّرت القاضية لوريتا بريسكا في نيويورك رفع السرية عن قائمة تضم أكثر من 170 اسماً ورد ذكرهم في الوثائق المتعلقة بـ قضية إبستين، مع منح الأشخاص المعنيين مهلة للطعن. وفي يناير 2024، نُشر جزء من القائمة مع إخفاء بعض الأسماء، ما لم يُلبِّ بالكامل مطلب الشفافية لدى الرأي العام.
خلال حملته الانتخابية، وعد دونالد ترامب بنشر "قائمة الزبائن" كاملةً، لكن بعد توليه الرئاسة أعلنت إدارته ومكتب التحقيقات الفيدرالي عدم وجود قاعدة بيانات "رسمية" موحّدة للزبائن، ووصفت وثائق داخلية "أسطورة" هذه القائمة بأنها "فخ" يستخدمه خصومه السياسيون ضده.
صورة أرشيفية شهيرة تجمع بين جيفري إبستين والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب خلال إحدى المناسبات الاجتماعية، وتُعد من الصور البارزة التي تتناولها التقارير والتحقيقات الصحفية
في عام 2025، ناقش الكونغرس عدة مشاريع قوانين تهدف إلى فرض رفع السرية الكامل عن الوثائق المتعلقة بـ قضية إبستين، غير أن الأغلبية الجمهورية أعاقت هذه المشاريع في البداية، ما أثار احتجاجات من جانب محامي الضحايا، قبل أن يتمّ التوصّل في نوفمبر 2025 إلى توافق ثنائي على القانون الجديد للشفافية.
وعقب كشف وثائق إبستين في 2025-2026، تأثّرت سُمعة ومسيرة شخصيات أمريكية وأوروبية بارزة:
- أندرو ماونتباتن-ويندسور (الأمير أندرو سابقاً): في 18-19 فبراير 2026، اعتُقل بتهمة "سوء التصرّف في وظيفة عامة"، ثم أُفرج عنه بكفالة. وكان قد تخلّى عن كل ألقابه الملكية في 2025، وأُجبر على مغادرة سكنه الرسمي.
- بيتر ماندلسون (Peter Mandelson): سفير المملكة المتحدة لدى الولايات المتحدة الذي عيّنه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عام 2025، أُقيل من منصبه بعد كشف رسائله مع إبستين. واستقال من حزب العمال ومن مجلس اللوردات البريطاني، ثم اعتُقل في فبراير 2026 بتهمة مشاركة وثائق حكومية حسّاسة مع إبستين.
- لاري سامرز (Larry Summers): الاقتصادي الأمريكي ووزير الخزانة السابق ورئيس جامعة هارفارد السابق، استقال من جميع المناصب الأكاديمية في هارفارد بنهاية العام الدراسي 2025-2026 بعد كشف رسائل بريد إلكتروني مع إبستين. كما غادر مجلس إدارة شركة OpenAI، وأُلغي البرنامج التلفزيوني "Poetry in America" لزوجته إليزا نيو لأنه كان مموَّلاً جزئياً من إبستين.
- كيسي واسرمان (Casey Wasserman): رئيس لجنة تنظيم أولمبياد لوس أنجلوس 2028، أعلن بيع حصته في شركته بعد كشف رسائل غزلية بينه وبين ماكسويل.
- بيتر أتيا (Peter Attia): طبيب وخبير في إطالة العمر، انضم إلى CBS News في يناير 2026 ثم استقال بعد شهر واحد، إثر ظهور اسمه نحو 1,700 مرة في إصدار يناير من ملفات إبستين. كما استقال من منصب كبير المسؤولين العلميين في شركة "دافيد" لقضبان البروتين.
ورغم هذا الكشف الواسع، أشارت تقارير NPR في أبريل 2026 إلى أنه لم تُوجَّه أي اتهامات جنائية جديدة في الولايات المتحدة استناداً إلى الوثائق المُفرج عنها، رغم استمرار الضغوط من المشرّعين في كلا الحزبَين. وقد صرّح نائب المدعي العام تود بلانش في فبراير 2026 بأن وزارة العدل راجعت "أكثر من 6 ملايين قطعة ورقية وآلاف من الفيديوهات وعشرات الآلاف من الصور"، وأن "هذه المراجعة قد انتهت".
بدأ جزء من الضحايا والناشطين بإعداد قوائم خاصة بهم لـ "الأشخاص ذوي الصلة" انطلاقاً من بيانات متاحة للعموم، مع التأكيد على أن مجرّد ذكر اسم في وثيقة لا يعني تلقائياً ثبوت الذنب، بل يستلزم تحقّقاً منفصلاً. وفي سياق تكاثر الشائعات ونظريات المؤامرة، اتُّهمت بعض المشاهير ممن لم يرد لهم ذكر في وثائق القضية زوراً بأنهم على صلة بإبستين، ما اقتضى نفياً وتحقّقاً من قبل وسائل الإعلام.
الفرع الفرنسي من القضية
لم تقتصر شبكة جيفري إبستين على الولايات المتحدة فحسب، بل امتدت أذرعها لتشمل دولاً أوروبية عدة، وكانت فرنسا من أبرز وأهم محطاتها. نظراً لعلاقاته الوثيقة بصناعة الموضة والأزياء، شكّل "الفرع الفرنسي" جزءاً أساسياً في التحقيقات الدولية، حيث استخدم إبستين نفوذه لنسج شبكة علاقات معقدة في باريس سهّلت له ارتكاب وتوسيع دائرة جرائمه العابرة للحدود.
التحقيق في فرنسا
امتلك إبستين عقارات في باريس، ووفقاً للسلطات الفرنسية كان يزور فرنسا بانتظام، حيث كان يتلقّى فيها أيضاً "تدليكات" ويقيم علاقات مع وكالات عرض الأزياء. وتُعدّ فرنسا، عاصمة الموضة وعرض الأزياء العالمية، إحدى أبرز الدول الأوروبية التي شهدت نشاطاً لإبستين خارج الولايات المتحدة، خاصة عبر علاقاته بشركاء فرنسيين في صناعة عرض الأزياء. وفي أغسطس 2019، فتحت النيابة العامة في باريس تحقيقاً أوّلياً بشأن جرائم "اغتصاب" و"اعتداءات جنسية"، بما فيها جرائم ضد قاصرات ارتُكبت في فرنسا أو شملت مواطنين فرنسيين في الخارج.
استقطبت العلاقات بين إبستين ووكيل عارضات الأزياء الفرنسي جان-لوك برونيل — المتهم باغتصاب عدد من العارضات السابقات — اهتماماً خاصاً، فضلاً عن اتصالاته المحتملة بشخصيات سياسية وثقافية فرنسية. وطالب ممثلون عن الحكومة (منهم مارلين شياپا وأدريان توران، المسؤولان عن المساواة بين الجنسين وحماية الطفولة) علناً بأن يشارك القضاء الفرنسي بفعالية في التحقيق بهذه الشبكة الدولية.
في إطار هذه القضية، نفّذت الشرطة عمليات تفتيش في شقة إبستين الباريسية وفي وكالات عرض الأزياء، ووجّهت نداءً إلى الشهود لتحديد ضحايا فرنسيات محتملات. وأُغلق التحقيق مع برونيل بسبب انتحاره في السجن في فبراير 2022، غير أن النيابة العامة في باريس أعلنت في عام 2026 عن "إعادة تقييم" للملف وتحليل "ملفات إبستين"، بما في ذلك بشأن مشتبه بهم جدد. ووفقاً لتقارير صحيفة "لو موند" الفرنسية، فإن النيابة الباريسية تدرس استدعاء عدد من شهود قضية إبستين الجدد، بمن فيهم عاملات وكالات عرض أزياء سابقات.
جان-لوك برونيل
أكّدت فيرجينيا جيوفر أنها أقامت علاقات جنسية في عدة مناسبات مع جان-لوك برونيل بين سن السادسة عشرة والتاسعة عشرة، ووصفته بأنه رجل كان "ينقل فتيات تتراوح أعمارهن بين 12 و24 عاماً إلى الولايات المتحدة لأغراض جنسية"، وأن عارضاته كنّ يتدفّقن بأعداد كبيرة إلى محيط إبستين. وروت أنه في عيد ميلاد إبستين كان برونيل قد جلب من فرنسا ثلاث فتيات في الثانية عشرة من العمر، "تمّ شراؤهن" من والديهن بوعود بآفاق مهنية ودعم مالي.
في ديسمبر 2020، اعتُقل برونيل في مطار شارل ديغول وهو يتأهّب لاستقلال رحلة جوية إلى السنغال، ثم وُجّهت إليه تهم اغتصاب قاصرات واعتداءات جنسية، ووُضع رهن الاحتجاز، واستُدعي شاهداً في الملفات المرتبطة بـ إبستين. وفي 19 فبراير 2022، عُثر على برونيل مشنوقاً في زنزانته بسجن لا سانتيه، ما أثار موجة جديدة من الجدل حول انتحارات الأشخاص الرئيسيين في القضية، وترك عدداً من الأسئلة دون إجابة قضائية.

صورة أرشيفية تجمع جيفري إبستين مع وكيل عارضات الأزياء الفرنسي جان لوك برونيل في إطلالة غير رسمية وسط الطبيعة، وهي من الصور البارزة في ملفات التحقيق المرتبطة بهما
العواقب وأهمية قضية إبستين
أصبحت قضية إبستين رمزاً لكيفية تمكُّن الثروة والعلاقات والثغرات المؤسسية من إفلات معتدٍ جنسي من أي مساءلة جدية لعقود. فاجتماع اتفاقية متساهلة في فلوريدا، ووفاة المتهم الرئيسي قبل بدء محاكمة فيدرالية كبرى، وانتحار عميل رئيسي مرتبط بالقضية، وغياب الشفافية حول عدد من الوثائق — كل ذلك يغذّي ريبة الرأي العام ونظريات المؤامرة.
في الوقت ذاته، أفضت هذه القضية إلى تحولات ملموسة: اهتمام متزايد بحقوق الضحايا، وإعادة تقييم ممارسة اتفاقيات عدم الملاحقة السرّية، ومراجعة معايير معاملة المساجين "من الطبقة العليا"، وضغط على النخب المالية والسياسية التي استفادت من علاقاتها بإبستين. وعلى نطاق أوسع، لا تزال قضية إبستين تُستخدم بوصفها دراسة حالة لمناقشة العنف الجنسي المنظَّم، وإساءة استخدام السلطة، وضرورة التعاون بين الدول في قضايا الاتجار بالبشر.
ويتوقع المراقبون أن تستمرّ القضية في إنتاج تداعيات قانونية واجتماعية وسياسية على مدى السنوات المقبلة، خاصة في ظلّ استمرار كشف الوثائق وفتح ملفات جديدة في فرنسا والمملكة المتحدة، وما تستلزمه من إعادة تقييم مستمرّة لشبكة العلاقات التي بناها إبستين على مدى عقود.
الأسئلة الشائعة حول قضية إبستين
من هو جيفري إبستين؟
جيفري إبستين هو مولّ ومدير أصول أمريكي وُلد في 20 يناير 1953 في بروكلين بنيويورك، وتُوفّي في 10 أغسطس 2019 في سجن مانهاتن عن عمر يناهز 66 عاماً. بدأ مسيرته مدرّساً للرياضيات قبل أن ينتقل إلى وول ستريت في بنك "بير ستيرنز" عام 1976. أسس لاحقاً شركة J. Epstein & Company التي تحوّلت إلى Financial Trust Company، وأدار ثروات أثرياء عالميين مثل ليس وكسنر. تُقدَّر ثروته بنحو 559 مليون دولار، رغم وصفه إعلامياً بأنه "ميلياردير" وهو ما لم تثبته مجلة فوربس. أُدين بتهم الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي للقاصرات.
ما هي قضية جيفري إبستين؟
قضية جيفري إبستين هي مجموع التحقيقات والملاحقات القضائية المتعلقة بشبكة استغلال جنسي قام إبستين بإدارتها على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وراح ضحيتها أكثر من 250 امرأة، معظمهن قاصرات وقت تعرّضهن للجرائم. تشمل القضية: تحقيقات شرطة بالم بيتش (2005-2008)، واتفاقية عدم الملاحقة المثيرة للجدل (2008)، واعتقاله الفيدرالي (2019)، ووفاته في السجن، ومحاكمة شريكته غيلين ماكسويل (2021-2022). وتمتدّ تداعياتها حتى عام 2026 مع كشف ملايين الوثائق.
ما هو اتفاق إبستين عام 2008 في فلوريدا؟
اتفاق إبستين عام 2008 في فلوريدا (المعروف بـ Non-Prosecution Agreement) هو اتفاق سرّي أبرمه المدعون الفيدراليون في المنطقة الجنوبية لفلوريدا برئاسة ألكسندر أكوستا (الذي صار وزيراً للعمل لاحقاً) مع إبستين، أنهى عملياً إمكانية ملاحقته فيدرالياً مقابل اعتراف بالذنب في تهمتين أمام محاكم الولاية. وحُكم عليه بالسجن 18 شهراً فقط (قضى 13 منها) في ظروف ميسّرة، مع منحه الحقّ في مغادرة السجن يومياً للذهاب إلى "العمل". ولم تُبلَّغ الضحايا بالاتفاق رغم إلزام القانون بذلك، ما أدّى إلى دعاوى مدنية لاحقة.
لماذا حصل إبستين على حكم مخفف عام 2008؟
حصل إبستين على حكم مخفف عام 2008 لأسباب متعددة طُرحت في الإعلام والتحقيقات اللاحقة: قوة فريقه القانوني الذي ضمّ محامين بارزين مثل آلان ديرشوويتز وكينيث ستار، وضغوط سياسية محتملة على المدعين الفيدراليين، و"احترام" غير عادي أبداه الادعاء العام لأهداف إبستين وفقاً لرسائل بريد إلكتروني سُرّبت لاحقاً، إضافة إلى تركيز الحجج على تخفيف الاتهامات إلى تحريض على البغاء بدلاً من الاتجار بالبشر. وقد أدّت الانتقادات إلى استقالة المدعي ألكسندر أكوستا من منصبه وزيراً للعمل عام 2019.
ما هي تهم اتجار بالبشر ضد إبستين؟
وُجِّهت إلى إبستين في 8 يوليو 2019 من قبل النيابة العامة للمنطقة الجنوبية في نيويورك تهمتان فيدراليتان رئيسيتان: (1) الاتجار الجنسي بالقاصرات (sex trafficking of minors)، و(2) التآمر للاتجار الجنسي بالقاصرات (sex trafficking conspiracy). كانت العقوبة القصوى لهاتين التهمتين تصل إلى 45 عاماً سجناً، أي السجن المؤبد فعلياً لمتهم في السادسة والستين. اتُّهم إبستين بإدارة شبكة منهجية تستدرج فتيات قاصرات (من 14 إلى 17 عاماً) من خلفيات هشّة، ونقلهن جواً بطائرته الخاصة بين منازله في نيويورك وفلوريدا ونيومكسيكو وجزيرة سانت جيمس لأغراض الاستغلال الجنسي.
كيف توفي إبستين؟
تُوفّي إبستين في 10 أغسطس 2019 في زنزانته بمركز التصحيح المركزي (MCC) في مانهاتن بنيويورك، بعد نحو 36 يوماً من اعتقاله. ووجده الحرّاس مشنوقاً بشريط من شرشف ربطه بإطار سريره. أكّد التشريح الرسمي الذي أجراه الطبيب الشرعي لنيويورك أن سبب الوفاة هو الانتحار شنقاً، رغم أن خبيراً مستقلاً (الدكتور مايكل بادن) أشار إلى أن كسر العظم اللامي في رقبته كان أكثر شيوعاً في حالات الخنق منه في حالات الانتحار. ولا تزال الرواية الرسمية موضع شكّ واسع في الرأي العام.
لماذا تعطلت كاميرات المراقبة عند وفاة إبستين؟
وفقاً للرواية الرسمية لمكتب السجون الأمريكي، فإن إحدى كاميرتَي المراقبة في الممرّ المقابل لزنزانة إبستين لم تكن تعمل أصلاً ليلة وفاته، فيما توقّفت الأخرى عن العمل ثم أعادها الموظفون إلى الخدمة، ما يعني عدم وجود تسجيلات حيّة لما جرى. وأكّد مكتب المفتش العام لوزارة العدل في تقريره الصادر في أغسطس 2019 وبتفاصيل إضافية في 2025 أن الكاميرتَين كانتا "معطلتَين بشكل غير مبرّر"، إضافة إلى أن الحرّاسَين المسؤولَين عن المعاينة كانا نائمَين معظم الليلة وزوّرا سجلات جولاتهما. ولم يخضع أحد من المسؤولين عن هذه الإخفاقات لعقوبات جنائية أو إدارية كبيرة، ما عزّز نظريات المؤامرة لدى كثير من المراقبين.







