الشركات

حزب الله

في قلب الشرق الأوسط المضطرب، وعلى حدود لبنان الجنوبية مع إسرائيل، نشأت قوة دفعت العالم إلى إعادة النظر في مفاهيم الدولة والسلاح والسياسة معاً. حزب الله هو حركة سياسية وعسكرية شيعية لبنانية، تأسست عام 1982 في خضم الاجتياح الإسرائيلي للبنان، بدعم مباشر من الجمهورية الإسلامية الإيرانية. يجمع الحزب بين عمل برلماني وحكومي داخل الدولة اللبنانية وبين امتلاك جناح عسكري من أقوى الأجنحة غير النظامية في العالم. ارتكز الحزب على أيديولوجية إسلامية شيعية مستوحاة من الثورة الإيرانية ومبدأ ولاية الفقيه، ما جعله إيراناً موازيةً على الحدود الشمالية لإسرائيل. يعدّه الغرب وإسرائيل تنظيماً إرهابياً، فيما يراه حلفاؤه قوة مقاومة مشروعة. أفضت التطورات الدراماتيكية بين عامَي 2024 و2026 — من اغتيال أمينه العام إلى اندلاع مواجهة إقليمية واسعة — إلى تحوّل عميق في مساره. في السطور التالية، رصد شامل لتاريخ هذه المنظمة ودورها المحوري في واحدة من أشد أزمات الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين

كتبه خالد المصري

المحتويات
حزب الله لبنان علم مسيرة

يُظهر علم حزب الله بندقية مرفوعة وآية قرآنية «فإن حزب الله هم الغالبون». ويُعد هذا الرمز تمثيلاً بصرياً للمنظمة منذ تأسيسها عام 1982.

معلومات أساسية

حزب الله منظمة لبنانية متعددة الأبعاد؛ فهو في آنٍ واحد حزب سياسي يشارك في الانتخابات البرلمانية اللبنانية ويمتلك كتلة وازنة في مجلس النواب تُعرف بـ"كتلة الوفاء للمقاومة"، وجهاز عسكري يُعدّ أقوى من الجيش اللبناني النظامي بحسب تقييمات متعددة، فضلاً عن شبكة خدمات اجتماعية تمتد من المستشفيات إلى المدارس في المناطق ذات الغالبية الشيعية. تأسس الحزب عام 1982 بدعم من الحرس الثوري الإيراني استجابةً للاجتياح الإسرائيلي للبنان، وأعلن رسمياً عن نفسه بنشر "رسالة مفتوحة" عام 1985 أعلن فيها أهدافه: طرد الوجود الأجنبي من لبنان، والقضاء على إسرائيل، وإرساء حكومة إسلامية. وعلى الرغم من تطور خطابه منذ ذلك الحين، فإن جوهر التوجه الأيديولوجي لم يتبدّل جذرياً، وإن اكتسب الحزب براغماتية أكبر في التعامل مع الواقع اللبناني والإقليمي.

المؤسس

عباس الموسوي، صبحي الطفيلي، وآخرون بدعم من الحرس الثوري الإيراني

التأسيس

1982 (الإعلان الرسمي 1985)، لبنان

البلد

لبنان

الأمين العام

نعيم قاسم (منذ أكتوبر 2024)

الأيديولوجية

الإسلام الشيعي، الخمينية، مبدأ ولاية الفقيه، القومية اللبنانية، مناهضة الصهيونية

الجناح العسكري

المقاومة الإسلامية (مجلس الجهاد)

الحلفاء

إيران، الحوثيون (اليمن)، الميليشيات الشيعية العراقية، حركة حماس (علاقة برغماتية)

الأيديولوجية والأساس الديني

يقوم حزب الله على مرتكزين رئيسيين: مبدأ ولاية الفقيه الذي أرساه الإمام الخميني، والهوية الشيعية اللبنانية الراسخة التاريخياً في مظالم الحرمان. يرى الحزب أن الدولة الإسلامية التي تقودها مرجعية دينية عليا هي الشكل الأمثل للحكم، كما يتبنى موقفاً صارماً من إسرائيل يصل إلى إنكار شرعيتها وجودياً. في المقابل، أدمج الحزب في خطابه عناصر من القومية اللبنانية والمطالبة بحقوق الطائفة الشيعية المهمّشة تاريخياً في المعادلة السياسية اللبنانية. هذا المزج بين الديني والوطني جعل الحزب يتمتع بقاعدة شعبية لبنانية حقيقية، وهو ما يميزه عن مجرد ذراع إيرانية خارجية. وقد عكست الوثيقة التأسيسية لعام 1985 هذه الثنائية بوضوح، إذ دعت إلى إقامة دولة إسلامية لكنها أكدت أيضاً مبدأ الاختيار الحر.

الهيكل القيادي لحزب الله

الأمين العام (القيادة)

المنصب القيادي الأعلى في حزب الله. يُنتخب من قِبَل مجلس الشورى ومن بين أعضائه. يتولى الإشراف الإداري والتنسيق بين مجالس الشورى والمتخصصة، ويمثل الموقف الرسمي للحزب.

مجلس الشورى

الهيئة القيادية العليا في حزب الله، وتضم سبعة أعضاء. تُشرف على مختلف المجالس التنفيذية والسياسية والجهادية والقضائية. يُنتخب الأمين العام من بين أعضائها ويُعدّ "الأول بين متساوين".

ما هو حزب الله؟

يرتكز حزب الله على هيكل تنظيمي محكم يجمع بين المركزية القيادية واللامركزية التنفيذية. يتربّع على الهيكل مجلس الشورى المؤلف من سبعة أعضاء، وهو الهيئة العليا التي تتخذ القرارات الاستراتيجية الكبرى. ومن بين هذا المجلس يُختار الأمين العام الذي يمثل واجهة الحزب ومحور تنسيقه. يتفرّع تحت المجلس عددٌ من المجالس المتخصصة، أبرزها: المجلس التنفيذي ويتولى الإدارة اليومية، والمجلس الجهادي وهو الذراع العسكري المعروف بـ"المقاومة الإسلامية"، والمجلس السياسي ويُشرف على الملف البرلماني والدبلوماسي، والمجلس القضائي. تُضاف إلى ذلك شبكة واسعة من المؤسسات الإعلامية، في مقدمتها قناة المنار التلفزيونية وإذاعة النور.

تاريخ حزب الله

يمتد تاريخ حزب الله عبر أربعة عقود من الصراع والتحولات، وهو تاريخ حافل بالأحداث المفصلية: من الولادة في خضم الحرب الأهلية اللبنانية، مروراً بالمواجهات المتكررة مع إسرائيل، وصولاً إلى التدخل في الحرب السورية والمشاركة في التوترات الإقليمية الراهنة. إنه تاريخ يعكس تشابك السياسة اللبنانية الداخلية مع الديناميكيات الإقليمية والدولية على مدى أكثر من أربعة عقود.

التأسيس والتشكّل (1982–1990)

في يونيو 1982، اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان في ما عُرف بـ"عملية سلامة الجليل"، بذريعة القضاء على البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية. أفضى هذا الاجتياح إلى فراغ أمني وسياسي عميق في المناطق ذات الغالبية الشيعية، ولا سيما جنوب لبنان والبقاع الغربي. وجد الشيعة اللبنانيون أنفسهم أمام احتلال أجنبي في ظل غياب أي قوة وطنية قادرة على التصدي له، وكانت حركة أمل الشيعية الأبرز آنذاك قد تراجعت عن نهجها المسلح. شكّل هذا الواقع التربة الخصبة لولادة تنظيم جديد.

استجاب النظام الإيراني الذي كان حديث العهد بثورته لعام 1979 لهذا الفراغ بسرعة. أوفد المرشد الإيراني آية الله روح الله الخميني نحو 1500 عنصر من الحرس الثوري الإيراني إلى البقاع اللبناني، بتسهيل من النظام السوري الذي كان يسيطر على الممر البري. تولى هؤلاء المستشارون تدريب الفصائل الشيعية اللبنانية المختلفة وتوحيدها تحت قيادة واحدة. كان من بين المؤسسين الأوائل الشيخ عباس الموسوي والشيخ صبحي الطفيلي والسيد حسن نصر الله، الذي كان لا يزال شاباً في الثلاثينيات من عمره. ولم يكن الحزب في بداياته كياناً واحداً منضبطاً، بل مجموعة فصائل شيعية متعددة انضوت تدريجياً تحت مظلة حزب الله وأيديولوجيته الخمينية.

أعلن حزب الله رسمياً عن نفسه في فبراير 1985 بنشر "رسالته المفتوحة"، التي أوضح فيها مبادئه: رفض الوجود الإسرائيلي والغربي، والالتزام بمبدأ ولاية الفقيه، والسعي إلى إقامة دولة إسلامية في لبنان. منذ البداية، أطلق الحزب عمليات مسلحة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، وكان أول عمل بارز نُسب إليه تفجيرَ السفارة الأمريكية في بيروت في أبريل 1983 الذي أسفر عن مقتل 63 شخصاً، ثم تفجير الثكنة الأمريكية في أكتوبر 1983 الذي راح فيه 241 جندياً أمريكياً و58 جندياً فرنسياً. بحلول نهاية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990 وتوقيع اتفاقية الطائف، كان حزب الله قد رسّخ نفسه قوةً عسكريةً وسياسيةً لا يمكن تجاهلها، وهو الوحيد من بين الميليشيات اللبنانية الذي احتفظ بسلاحه بعد انتهاء الحرب.

الترسّخ في لبنان والصراع مع إسرائيل (1990–2006)

في عقد التسعينيات، انتقل حزب الله من مرحلة الميليشيا المسلحة إلى قوة سياسية-عسكرية مزدوجة. شارك الحزب للمرة الأولى في الانتخابات البرلمانية اللبنانية عام 1992 وفاز بثمانية مقاعد، إيذاناً ببداية تحوّل تاريخي في طبيعة الحركة. في الوقت ذاته، واصل الحزب عملياته العسكرية ضد الجيش الإسرائيلي وحليفه "جيش لبنان الجنوبي" في المنطقة المحتلة. خلال الفترة الممتدة بين 1993 و1996، شهدت المنطقة مواجهتين مباشرتين: عملية المساءلة الإسرائيلية عام 1993، ثم عملية عناقيد الغضب عام 1996 التي أثارت موجة واسعة من الإدانات الدولية إثر قصف قاعدة الأمم المتحدة في قانا.

في مايو 2000، انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان بعد احتلال دام 18 عاماً، في حدث وصفه حسن نصر الله بأنه "انتصار إلهي". رأى كثيرون أن هذا الانسحاب كان وليد الضغط العسكري الذي مارسه الحزب عاماً بعد عام. قفز مستوى الشعبية الإقليمية للحزب بعد هذا الانسحاب قفزاً كبيراً، وباتت صورة حسن نصر الله حاضرةً في سياقات عربية بعيدة عن لبنان. وقد مكّنت هذه المرحلة الحزب من ترسيخ بنيته العسكرية وتطوير ترسانته الصاروخية بشكل ملموس، تمهيداً لما هو قادم.

مقاتلو حزب الله على دبابة يرفعون الأعلام خلال انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان عام 2000

يتحرك مقاتلون من حزب الله على متن دبابة تم الاستيلاء عليها وهم يرفعون الأعلام عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان في مايو 2000، وهو حدث شكّل نقطة تحول رئيسية في تصاعد نفوذ الحزب على مستوى المنطقة.

التمدد الإقليمي والمرحلة السورية (2006–2019)

خاض حزب الله حرباً مع إسرائيل في صيف 2006 استمرت 33 يوماً، أطلقتها عملية اختطاف جنديَّين إسرائيليَّين على الحدود. دمّرت الغارات الإسرائيلية البنية التحتية اللبنانية ومعاقل الحزب في الضاحية الجنوبية، غير أن الحزب أكمل الحرب دون أن يُهزم عسكرياً ودون أن يُطلق راية الاستسلام، وأطلق خلال المعارك آلاف الصواريخ على شمال إسرائيل. قدّم الحزب انتهاء الحرب انتصاراً معنوياً، وزاد من استثماره في تطوير ترسانته، لا سيما الصواريخ الدقيقة. في المقابل، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1701 الذي طالب بانسحاب الحزب جنوب نهر الليطاني وتسليم السلاح للدولة اللبنانية، إلا أن التطبيق الفعلي ظل منقوصاً.

مع اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011، تدخّل حزب الله بشكل مفتوح إلى جانب نظام بشار الأسد اعتباراً من عام 2013، وهو قرار أثار انتقادات واسعة داخل لبنان وخارجه. كان المبرر الرسمي للحزب صون الوجود الشيعي ومنع سقوط دمشق في يد جماعات "تكفيرية"، بينما رأى المنتقدون أن الحزب يخدم أجندة إيرانية على حساب مصالح لبنان ويزرع بذور الطائفية. كسب مقاتلو الحزب تجربة قتالية نظامية واسعة في سوريا عزّزت قدراتهم العسكرية، لكن الثمن كان ارتفاعاً في الخسائر البشرية وتصاعداً في الإدانات الدولية التي أفضت إلى تصنيف الجناح العسكري للحزب إرهابياً من قبل الاتحاد الأوروبي عام 2013.

دور الحزب في الأزمة اللبنانية وتصاعد التوترات مع إسرائيل

منذ عام 2019، انزلق لبنان في دوامة انهيار اقتصادي حادّ أفضى إلى تعثّر الدولة عن سداد ديونها وتدهور حادّ في قيمة الليرة اللبنانية التي فقدت أكثر من 90% من قيمتها. وقع ملايين اللبنانيين في براثن الفقر وغاب معظمهم عن سوق العمل الرسمي. كان حزب الله شريكاً في الائتلافات الحكومية المتعاقبة، وإن جادل قادته بأن الحزب لم يكن المتحكم المباشر في قرارات المال والاقتصاد. غير أن موقعه في المعادلة السياسية جعله طرفاً في الأزمة بنظر قطاع واسع من اللبنانيين الذين اندلعت ثورتهم الشعبية في أكتوبر 2019 رافعةً شعار "كلن يعني كلن".

في الرابع من أغسطس 2020، هزّ انفجار هائل مرفأ بيروت وأوقع أكثر من 200 قتيل وآلاف الجرحى ودمّر أجزاء واسعة من العاصمة. كشف التحقيق أن السبب كان تخزين نيترات الأمونيوم بشكل غير آمن لسنوات طويلة. وجّه بعض المحققين أصابع الاتهام نحو شبكة علاقات حزب الله بالميناء، فيما نفى الحزب أي صلة للحادثة به. عرقل الحزب لاحقاً مسار التحقيقات القضائية، وأضاف ذلك طبقة جديدة من التوتر إلى علاقته بشرائح واسعة من الرأي العام اللبناني. تواصلت المواجهة مع إسرائيل عبر عمليات محدودة وتبادل لإطلاق النار، وكثير منها في مناطق مزارع شبعا. فجّر هجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر 2023 مرحلة تصعيد حادة، إذ بادر حزب الله منذ الثامن من أكتوبر 2023 إلى فتح جبهة الشمال اللبناني في إطار ما وصفه بـ"وحدة الساحات"، محرّكاً صراعاً متدحرجاً مع إسرائيل استمرّ لأكثر من عام.

المواجهة بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة ودور حزب الله

تطوّرت المواجهة الإقليمية بين إسرائيل وإيران على مدى سنوات طويلة، وكانت تُدار لفترة طويلة في إطار ما بات يُعرف بـ"حرب الظل". تضطلع في هذا الإطار قوى موالية لإيران في الشرق الأوسط بدور محوري، يبقى حزب الله في مقدمتها أحد الأطراف الرئيسية.

ضربات جوية إسرائيلية على بيروت جنوب 2024

شنّ الجيش الإسرائيلي حملة جوية مكثفة على معاقل حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت خلال عام 2024، مما أفضى إلى تدمير البنية التحتية للحزب.

حرب الظل وتصاعد التوترات الإقليمية (2010–2022)

منذ مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، دأبت إسرائيل على شنّ غارات جوية موجّهة ضد مواقع الحرس الثوري الإيراني وقوافل الأسلحة المتجهة إلى حزب الله في سوريا، في ما بات يُعرف بـ"حملة المعارك بين الحروب". وثّق الجيش الإسرائيلي تنفيذ مئات الغارات في هذا السياق. في الوقت ذاته، تعرّضت إيران لسلسلة من الهجمات السيبرانية المتطورة، أبرزها فيروس "ستاكسنت" الذي استهدف أجهزة الطرد المركزي في منشآتها النووية، وهو ما نُسب إلى تعاون أمريكي-إسرائيلي. في المقابل، واصلت إيران بناء شبكتها الإقليمية الممتدة التي تضم حزب الله والميليشيات الشيعية في العراق وسوريا، والحوثيين في اليمن، ما شكّل ما باتت طهران تسميه محور "وحدة الساحات". ظلّ حزب الله طوال هذه المرحلة الحليفَ الأول لإيران على الحدود الشمالية لإسرائيل، يطوّر ترسانته الصاروخية بشكل متواصل بتقديرات تشير إلى امتلاكه أكثر من 130,000 صاروخ قبيل عام 2024، كما طوّر قدراته في مجال الطيران المسيّر.

التصعيد الإقليمي في أعقاب حرب غزة (2023–2024)

في السابع من أكتوبر 2023، نفّذت حركة حماس عملية هجومية واسعة النطاق على المجتمعات الإسرائيلية في غلاف غزة، أسفرت عن مقتل أكثر من 1200 شخص وأسر المئات. ردّت إسرائيل بحملة عسكرية واسعة على قطاع غزة. منذ اليوم التالي للهجوم، في الثامن من أكتوبر 2023، بدأ حزب الله في إطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه شمال إسرائيل، مُعلناً التضامن مع الفلسطينيين. دفع ذلك إلى إخلاء عشرات الآلاف من السكان الإسرائيليين قسراً من مجتمعات الشمال. خلال عام 2024، صعّدت إسرائيل ردودها على جبهة لبنان بشكل ملحوظ، إلى أن نفّذت في سبتمبر 2024 سلسلة من العمليات الاستخباراتية المدمّرة شملت تفجير آلاف أجهزة الاستدعاء "بيجر" التي كان يستخدمها عناصر الحزب، ما أوقع مئات الجرحى في صفوف الحزب. ثم توالت الاغتيالات لتطال الأمين العامَّ حسن نصر الله في 27 سبتمبر 2024، إلى جانب معظم القيادة العسكرية للحزب. خلّفت هذه الضربات اضطراباً تنظيمياً بالغاً، وفقد الحزب شبكة قيادته العملياتية في غضون أسابيع قليلة.

  • في أكتوبر 2024، نفّذت إسرائيل توغلاً برياً في جنوب لبنان.
  • في 29 أكتوبر 2024، انتخب مجلس الشورى نعيم قاسم أميناً عاماً للحزب خلفاً لنصر الله.
  • في 27 نوفمبر 2024، توصّلت إسرائيل وحزب الله إلى اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية أمريكية.
  • شارط الاتفاق نشر الجيش اللبناني جنوب الليطاني وتفكيك الأبنية العسكرية لحزب الله في الجنوب، مع انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية.
  • في ديسمبر 2024، سقط نظام بشار الأسد في سوريا، وهو حدث أفقد الحزب شريان تسليحه البري الرئيسي.

توسّع الصراع وحرب إقليمية (2025–2026)

خلال عام 2025 وبداية 2026، واصلت إسرائيل ضرباتها شبه اليومية في لبنان رغم سريان وقف إطلاق النار، مما أسفر عن سقوط أكثر من 500 قتيل من بينهم مدنيون. في مارس 2026، صرّح رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بأن عمليات حزب الله تقع خارج القانون اللبناني. في أغسطس 2025، صوّت مجلس الوزراء اللبناني لصالح قرار بنزع سلاح الحزب، فيما رفض الحزب هذا القرار رفضاً قاطعاً، وأعلن أمينه العام نعيم قاسم في سبتمبر 2025: "لن نتخلى عن سلاحنا أبداً". في 5 سبتمبر 2025، أطلق الجيش اللبناني "خطة درع الوطن" لنزع سلاح الميليشيات.

في 28 فبراير 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً مشتركاً على إيران، أسفر عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في الأول من مارس 2026. رداً على ذلك، أعلن حزب الله إعادة الانخراط العسكري، وأطلق في الثاني من مارس 2026 صواريخ ومسيّرات باتجاه شمال ووسط إسرائيل، لأول مرة منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024. ردّت إسرائيل بغارات جوية على بيروت والضاحية الجنوبية. اندلعت بذلك "حرب لبنان 2026" رسمياً، وهي مواجهة وصفتها التقارير الأممية بأنها أودت بحياة أكثر من 820 شخصاً في لبنان وهجّرت ما يقارب مليون لبناني بحلول منتصف مارس 2026. أعلن حزب الله أن مشاركته في الصراع "دفاعية" ردّاً على عمليات إسرائيل في لبنان وإيران. واصل الجيش الإسرائيلي توسيع نطاق عملياته في الجنوب اللبناني، فيما طالبت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا والمملكة المتحدة في 16 مارس 2026 بتجنّب الاجتياح البري الكبير لما سينجم عنه من "عواقب إنسانية كارثية".

كلمة نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله اللبناني، في مارس 2026.

الإرهاب والتهريب والمخدرات

نُسبت إلى حزب الله طوال تاريخه سلسلة من العمليات التي صنّفتها دول غربية إرهاباً أو جرائم منظمة، وإن كان الحزب ينفي كثيراً منها أو يؤطّرها باعتبارها عمليات مقاومة مشروعة. يظل تفجير ثكنة المارينز الأمريكي والفرنسي في بيروت في 23 أكتوبر 1983 من أفتك الاعتداءات في تاريخ الصراع اللبناني؛ راح فيه 241 جندياً أمريكياً و58 جندياً فرنسياً. نسبت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والحكومة الفرنسية العملية إلى حزب الله بوصفه الذراع التنفيذية للحرس الثوري الإيراني، وقضى القاضي الأمريكي رويس لامبرث عام 2003 بمسؤولية إيران وحزب الله، وحكم بتعويضات تجاوزت 2.6 مليار دولار. أما تفجير السفارة الأمريكية في أبريل 1983 الذي أودى بحياة 63 شخصاً منهم 17 أمريكياً، فنُسب بأدلة قوية للمنظمة ذاتها. إضافةً إلى ذلك، دبّر حزب الله سلسلة من خطف الرهائن الغربيين في لبنان خلال ثمانينيات القرن الماضي في ما عُرف بـ"أزمة الرهائن اللبنانية" بين 1982 و1992.

خارج نطاق لبنان، طال ذراعُ حزب الله دولاً متعددة. في عام 1992، استهدف تفجير السفارة الإسرائيلية في بوينس آيرس 29 شخصاً، وتلاه عام 1994 تفجير مبنى الجمعية اليهودية الأرجنتينية "AMIA" الذي راح فيه 85 شخصاً. وجّهت الأرجنتين اتهامات رسمية لعناصر من الحزب في القضيتين، فيما فرضت الولايات المتحدة ومنظمة إنتربول نشرات حمراء بحق بعضهم. في 2012، وقع هجوم في مطار بورغاس البلغاري أودى بحياة خمسة سياح إسرائيليين، وخلصت التحقيقات البلغارية إلى تورط خلية تابعة للحزب، ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى تصنيف الجناح العسكري للحزب منظمةً إرهابية عام 2013.

في مجال المخدرات والتهريب، أشارت تقارير مكتب مكافحة المخدرات الأمريكي (DEA) منذ مطلع الألفية الثالثة إلى انخراط شبكات مرتبطة بالحزب في تجارة المخدرات في أمريكا اللاتينية، ولا سيما في منطقة المثلث الحدودي بين الأرجنتين والبرازيل وباراغواي. في عام 2002، رصدت تقارير الـ DEA عمليات لـحزب الله في مدينة "سيوداد ديل إيستي" الباراغوايانية. ثم أطلقت الوكالة بين عامَي 2008 و2016 عملية "كاساندرا" التي كشفت عن شبكة دولية تربط عناصر من الحزب بعمليات غسيل أموال وتهريب كوكايين تتجاوز عائداتها السنوية مئات الملايين من الدولارات. تجدر الإشارة إلى أن الحزب يرفض هذه الاتهامات، فيما أشارت بعض التقارير الأكاديمية إلى أن بعض المشتبه بهم كانوا يعملون بدوافع شخصية دون تفويض رسمي من القيادة.

تجدر الإشارة أيضاً إلى أن الحزب يموّل جزءاً من أنشطته عبر شبكة واسعة من المغتربين اللبنانيين الشيعة المنتشرين في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، الذين يضخّون تبرعات أو يستثمرون في قطاعات الاستخراج المعدني والتجارة. كما يحصّل الحزب "ضرائب" غير رسمية من المجتمعات الشيعية في المناطق الخاضعة لنفوذه. قدّرت مصادر غربية إيرادات إيران للحزب بنحو 400 مليون دولار سنوياً في ذروة الدعم، وإن تقلّص هذا الدعم في مراحل متعددة نتيجة العقوبات الاقتصادية وضائقة الاقتصاد الإيراني.

الصلات والارتباطات الخارجية

نسج حزب الله على مدى عقود شبكةً من العلاقات مع فاعلين إقليميين متعددين، تراوحت بين التحالف الاستراتيجي الوثيق وصولاً إلى التنسيق البراغماتي المؤقت.

حزب الله وحركة حماس

تجمع حزب الله وحركة حماس علاقة تحالف برغماتية متشعّبة، رغم الفارق الأيديولوجي بين الشيعية الخمينية للحزب والسنية الإخوانية لحماس. توطّدت العلاقة في مطلع التسعينيات بوساطة إيرانية، وتمحورت حول العداء المشترك لإسرائيل. تبادل الطرفان الخبرات والتدريب العسكري والدعم اللوجستي. وقد استضاف حزب الله قيادات من حماس في بيروت وسمح للحركة بتشغيل خلايا من جنوب لبنان. بلغت العلاقة ذروتها في التنسيق الذي أعقب السابع من أكتوبر 2023، حين رفع الحزب شعار "وحدة الساحات" إسناداً لحماس في غزة. بيد أن تاريخ الطرفين عرف فترات توتر ملحوظة: إذ انحازت حماس إلى الانتفاضات الشعبية ضد نظام الأسد في سوريا خلال الفترة 2012-2017، وهو ما دفع إيران مؤقتاً إلى تقليص دعمها للحركة. مع ذلك، عادت العلاقات إلى مسارها بعد المصالحة عام 2017، وباتت حماس من المنظور الإيراني جزءاً لا يتجزأ من محور المقاومة.

لقاء حسن نصر الله مع وفد من حركة حماس في لبنان

الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله يلتقي وفداً من حركة حماس الفلسطينية

حزب الله وتنظيم القاعدة

تختلف العلاقة بين حزب الله وتنظيم القاعدة اختلافاً جوهرياً عن علاقته بحماس؛ فالتنظيمان يمثّلان إسلاميتين متناقضتين: شيعية خمينية في مقابل سنية سلفية. وثّقت لجنة التحقيق في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وجود اتصالات محدودة بين الطرفين في مطلع التسعينيات في السودان، ولفتت إلى أن بعض خاطفي الطائرات سافروا عبر لبنان. بيد أن اللجنة خلصت إلى عدم وجود أدلة على تعاون تشغيلي بين الحزب والقاعدة في تنفيذ هجمات بعينها. رأى بعض المحللين أن لقاءات الطرفين في السودان في فترة حكم عمر البشير جرت في إطار مراقبة التطورات لا التنسيق الفعلي. على مستوى التنافس، يتنافس الطرفان على النفوذ في مناطق متداخلة، ولا سيما في سوريا والعراق، حيث تعارض الحزب مع القاعدة وأخواتها في فصائل متعددة. وفي سوريا تحديداً، حارب حزب الله إلى جانب نظام الأسد ضد تنظيمات سنية متطرفة من بينها فروع للقاعدة. وعلى الرغم من وجود عدو مشترك متمثّل في إسرائيل والولايات المتحدة، فإن الهوّة الأيديولوجية والتنافس على النفوذ حالا دون أي تحالف حقيقي بين الطرفين.

مواقف الدول من حزب الله

تتباين مواقف الدول من حزب الله تبايناً واضحاً يعكس تضارب المصالح والرؤى في النظام الدولي، من التصنيف الإرهابي الصريح إلى الاعتراف الضمني بدوره كفاعل سياسي شرعي

الدولة

الموقف

لبنان

موقف رسمي منقسم وتاريخياً ملتبس. تعدّه الحكومة الحالية برئاسة نواف سلام قوةً مسلحةً خارج إطار الشرعية الدولة. في مارس 2026، أعلن رئيس الوزراء نواف سلام أن عمليات حزب الله العسكرية تتناقض مع القانون اللبناني. سبق لرئيس الجمهورية جوزيف عون أن أكد ضرورة احتكار الدولة للسلاح. في المقابل، يحظى الحزب بدعم شعبي واسع في الأوساط الشيعية، وإن تراجع بفعل الحروب المتكررة.

إيران

الداعم الاستراتيجي الرئيسي لحزب الله منذ التأسيس. يعدّه النظام الإيراني ذراعاً أساسيةً في محور المقاومة. دأب المرشد الأعلى علي خامنئي على تقديم دعم مالي وعسكري للحزب لعقود، قبل أن يُقتل في الغارات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة على إيران في فبراير 2026.

الولايات المتحدة الأمريكية

تصنّف الولايات المتحدة حزب الله منظمةً إرهابيةً أجنبية منذ عام 1997. شاركت القوات الأمريكية مع إسرائيل في ضربات مشتركة ضد إيران في فبراير 2026، ما أشعل المواجهة الإقليمية. قال الرئيس ترامب إن واشنطن ستنتقم لمقتل جنودها في الكويت. سبق للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن أن وصف حزب الله بأنه "أخطر منظمة إرهابية في العالم".

إسرائيل

تصف إسرائيل حزب الله بأنه التهديد الأمني الأول على حدودها الشمالية، وهي في حالة حرب معه منذ مارس 2026. اغتالت إسرائيل الأمينَ العامَّ حسن نصر الله في سبتمبر 2024. صرّح الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في مارس 2026 بأن على أوروبا دعم الجهود الإسرائيلية لـ"اجتثاث" حزب الله. وترى إسرائيل أن حزب الله وحركة حماس وإيران تمثّل منظومةً تهديدية واحدة.

دول الاتحاد الأوروبي

تصنّف معظم دول الاتحاد الأوروبي الجناحَ العسكري لحزب الله منظمةً إرهابيةً منذ عام 2013، عقب هجوم بورغاس في بلغاريا. في مارس 2026، أصدرت فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة وكندا بياناً مشتركاً يعرب عن "قلق بالغ" إزاء التصعيد في لبنان، داعياً إلى تجنّب الهجوم البري الإسرائيلي الكبير.

روسيا

لا تصنّف روسيا حزب الله منظمةً إرهابية وتتعامل معه بوصفه طرفاً سياسياً لبنانياً. تتعاون روسيا مع إيران وحزب الله في الملف السوري. لم تنضم روسيا إلى البيانات الغربية المنتقِدة للحزب، ومع التصعيد الأخير في 2026 أعربت عن قلقها من اتساع الحرب الإقليمية دون إدانة صريحة للحزب.

الأسئلة الشائعة

ما هو حزب الله؟

حزب الله حركة إسلامية شيعية لبنانية تأسست عام 1982 في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وتتخذ من الضاحية الجنوبية لبيروت مقراً رئيسياً لها. يتمتع الحزب ببنية مزدوجة تجمع بين الجناح السياسي المشارك في البرلمان اللبناني والجناح العسكري المعروف بـ"المقاومة الإسلامية". يتولى قيادته حالياً الشيخ نعيم قاسم الذي انتُخب أميناً عاماً في أكتوبر 2024 خلفاً للسيد حسن نصر الله الذي اغتالته إسرائيل في سبتمبر 2024.

إلى أيّ بلد وتيار سياسي ينتمي حزب الله؟

ينتمي حزب الله إلى لبنان وينحدر من كنف طائفته الشيعية. أيديولوجياً، يتبنى مبدأ ولاية الفقيه الإيراني الذي صاغه الخميني، وهو تيار في الإسلام السياسي الشيعي يُقرّ بالولاية الدينية العليا للمرشد الإيراني. كما يتبنى خطاباً يجمع بين القومية اللبنانية ومحور المقاومة الذي يعادي الوجود الإسرائيلي والنفوذ الأمريكي في المنطقة.

ما الدور الذي يؤديه حزب الله في الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة عام 2026؟

حزب الله هو القوة البرية الرئيسية لإيران على الحدود الشمالية لإسرائيل في الصراع الدائر عام 2026. إثر الضربات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة على إيران في 28 فبراير 2026 التي أسفرت عن اغتيال المرشد علي خامنئي، أعاد حزب الله انخراطه العسكري وفتح جبهة الشمال اللبناني، مما أشعل ما بات يُعرف بـ"حرب لبنان 2026". رغم الخسائر الفادحة التي تكبّدها الحزب عام 2024، لا يزال يمتلك تقديرياً آلاف الصواريخ والمسيّرات، وهو يؤدي دوراً محورياً في استنزاف القوة الإسرائيلية وتشتيت جبهاتها.