نمط الحياة

ماذا يفعل تناول "حبوب تجفيف الالتهاب" بشكل عشوائي بجسمك؟

تنقسم المضادات الحيوية إلى مجموعتين رئيسيتين: مضادات كابحة للبكتيريا (أي عوامل توقف نمو الخلية المسببة للمرض)، ومضادات قاتلة للبكتيريا (أي عوامل تقتل الخلية المسببة للمرض). ولكن يبقى السؤال: متى يحتاج الجسم فعلًا إلى مضاد حيوي؟ وما هي الآثار الجانبية لتناول مثل هذه الأدوية عشوائيًا؟

وفقًا لتقرير مراسل قسم الصحة والعلاج في المجموعة الاجتماعية بوكالة "آنا" للأنباء، يعود أول استخدام للمضادات الحيوية إلى حوالي عام 500 قبل الميلاد؛ حيث استخدم الصينيون آنذاك عصارة فول الصويا المتعفن (خثارة فول الصويا المعروفة بالتوفو) لعلاج الالتهابات. وفي العصر الحديث، كان العالم الفرنسي بول فيلمين (Paul Vuillemin) أول من استخدم مصطلح "التضاد الحيوي" عام 1889 ليصف الظاهرة التنافسية في المجتمعات البيولوجية التي تفنى فيها الكائنات الضعيفة وتبقى الأقوى. وبعد عدة سنوات، استُخدم هذا المصطلح أيضًا لوصف التضاد بين الكائنات الحية الدقيقة (أي قدرة بعض الكائنات الدقيقة على إفراز مواد تقضي على كائنات أخرى).

كتبه سلمى عبد الرحمن

المحتويات
رسم توضيحي فني ملون يجمع بين أشكال مختلفة من البكتيريا والفيروسات والميكروبات المنتشرة بجانب كبسولات وحبوب المضادات الحيوية المتنوعة

تم اكتشاف أول مادة مضادة حيوية بالصدفة عام 1928 على يد الطبيب البريطاني ألكسندر فلمنج، حين لاحظ أن فطر البنسيليوم نوتاتوم (Penicillium notatum) الذي نما عرضًا على أطباق مزرعة بكتيرية تمكن من قتل البكتيريا المحيطة به؛ وقد عزل فلمنج المادة الفعالة وأسماها البنسلين. بعد فلمنج، انطلق علماء آخرون في اكتشاف مضادات حيوية أخرى؛ فعلى سبيل المثال تمّ عزل الستربتومايسين لأول مرة سنة 1943 على يد فريق سلمَن واكسمان، وكان أول مضاد حيوي فعّال ضد السل، كما تم تطوير أول تتراسيكلين (كلورتيتراسيكلين) في منتصف الأربعينيات (أعلن عنه علميًا عام 1948) بواسطة الباحث بنيامين دوغار. وبحلول أواخر الأربعينيات اكتُشفت أيضًا السيفالوسبورينات عبر العالم الإيطالي جوزيبي بروزو سنة 1945. وبعد أن تمكن الكيميائيون من تحديد البنى الجزيئية لهذه المواد وإجراء تغييرات عليها، تم إنتاج أنواع شبه صناعية من المضادات الحيوية تمتاز بفعالية أكبر واستقرار كيميائي أعلى.

صورة تاريخية بالأبيض والأسود تظهر العالم ألكسندر فلمنج في مختبره المزدحم وهو يحمل بيده طبق بتري الشهير الخاص باكتشاف البنسلين

تعرف على الآثار السلبية للمضادات الحيوية

يعتقد بعض الخبراء أن عمل المضادات الحيوية يقوم على تدمير البكتيريا من خلال تعطيل أنشطتها الحيوية، مثل التكاثر والتغذية والانتشار. النقطة المهمة الجديرة بالذكر هنا هي قلة معرفة الناس بهذه الأدوية؛ فكثيرون – خاصة بين عامة الناس – ينظرون إلى المضاد الحيوي كدواء سحري لـ"تجفيف الالتهاب"، مما يمنحه دلالة إيجابية زائفة ويدفعهم إلى تناوله بشكل عشوائي دون خوف من عواقبه. ولكن الحقيقة أن كلمة "مضاد حيوي" مشتقة من كلمتين يونانيتين تعنيان حرفيًا "ضد الحياة"، وهذا الدواء رغم فوائده العلاجية يمكن أن يكون له العديد من الآثار السلبية على جسم الإنسان على المدى القصير والطويل، وقد يسبب مشاكل خطيرة عند سوء استخدامه. على سبيل المثال، يحتوي جسم الإنسان على ملايين البكتيريا المفيدة (خاصة في الجهاز الهضمي) تساهم في عملية الهضم وصحة الأمعاء.

مخطط توضيحي شامل يظهر العوامل الرئيسية التي تسبب اختلال التوازن الميكروبي في الجسم مثل النظام الغذائي والأدوية وحالة الجهاز المناعي

ومن أول الآثار السلبية للاستخدام غير الصحيح للمضادات الحيوية هو تدمير هذه المستعمرات البكتيرية النافعة في الجسم، مما قد يؤدي إلى اضطرابات هضمية مثل الإسهال وفقدان التوازن الطبيعي للميكروبات في الأمعاء.

مقاومة المضادات الحيوية: أهم مشكلة صحية في العالم اليوم

ما هي مقاومة المضادات الحيوية؟ هي قدرة الجراثيم على النجاة من تأثير دواء كان يقتلها أو يثبطها من قبل، فتستمر العدوى بدل أن تنحسر.

ما اسباب مقاومة المضادات الحيوية؟ من أبرزها الاستعمال غير المبرَّر أو غير المكتمل، الجرعات الخاطئة، صرف المضادات دون تشخيص دقيق، إضافة إلى استخدامها الواسع في تربية الدواجن والماشية.

كيف تحدث مقاومة المضادات الحيوية؟ تنشأ عبر طفرات عشوائية تمنح البكتيريا حمايةً انتقائية، ثم تنتقل جينات المقاومة أفقيًا بين الجراثيم (عبر البلازميدات أو العاثيات)، فتترسخ السلالة المقاومة.

مخطط تعليمي يشرح طرق النقل الجيني الأفقي الثلاث في البكتيريا وهي التحول والاقتران المباشر والتنبيغ عن طريق الفيروسات

كيف تنتشر مقاومة المضادات الحيوية؟ تنتقل العدوى بسلالات مقاومة عبر التلامس المباشر، والأسطح والأدوات الملوثة، والمستشفيات، وأحيانًا عبر الأغذية والبيئة، ما يفسّر ظهور بكتيريا مقاومة المضادات الحيوية في المجتمع والرعاية الصحية معًا.

تقضي المضادات الحيوية على الأمراض عن طريق قتل البكتيريا أو تثبيط نموها. لكن في بعض الأحيان تصبح بعض سلالات البكتيريا قوية لدرجة أن المضادات الحيوية لا تؤثر فيها. في هذه الحالات، يُقال إن البكتيريا طورت مقاومة للمضادات الحيوية، فيصبح قتلها أو إيقافها أكثر صعوبة. وتُعد مقاومة المضادات الحيوية اليوم واحدة من أهم المشاكل الصحية عالميًا، والسبب الرئيسي لها هو الاستخدام غير المناسب والمفرط لهذه الأدوية، مما يجعلها أقل فعالية مع الوقت. وتشير التقارير الحديثة إلى أن مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية تتسبب في حوالي 1.23 مليون حالة وفاة سنويًا حول العالم، ما يترتب عليه مشكلات صحية خطيرة. فعندما تفقد المضادات الحيوية فعاليتها، يواجه المريض عواقب عدة، منها: إطالة مدة المرض وزيادة تعقيده، والاضطرار إلى البقاء في المستشفى لفترة أطول، وتكرار زيارة الطبيب، والحاجة إلى أدوية بديلة تكون عادة أغلى ثمنًا وأكثر سمية. وفي أسوأ الحالات قد يُصاب المريض بعدوى مقاومة تؤدي في النهاية إلى الوفاة. ولا يقتصر ضرر مقاومة المضادات الحيوية على المريض فحسب، بل يمتد ليشمل من حوله والمجتمع بأكمله؛ إذ يمكن أن تنتشر البكتيريا المقاومة من شخص لآخر بسرعة وتهدد صحة الجميع. ومن اضرار مقاومة المضادات الحيوية كذلك ارتفاع كلفة الرعاية وتعطّل الجراحات والعلاجات المعتمِدة على الوقاية بالمضادات.

اعراض مقاومة المضادات الحيوية التي قد تُثير الشك سريريًا تشمل:

  • استمرار الحمى أو الأعراض الالتهابية رغم 48–72 ساعة من العلاج المناسب.
  • غياب التحسّن أو تفاقم العلامات المختبرية/الزرعية مع بقاء الجرثومة نامية.
  • عودة العدوى سريعًا بعد التوقف عن الدواء.

طرق التغلب على مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية

طرق الوقاية من مقاومة المضادات الحيوية تتقاطع إلى حدٍّ كبير مع إرشادات الاستخدام الرشيد. الآن وقد أدركنا أن الاستخدام المفرط أو الخاطئ للمضادات الحيوية يُساهم مباشرةً في زيادة مقاومة البكتيريا لها ويُعرّض صحة المجتمع للخطر، فمن الأفضل اتباع الإرشادات التالية لمواجهة هذه المشكلة:

  • لا تستخدم المضاد الحيوي مع الأمراض الفيروسية: إذا كنت مصابًا بمرض فيروسي (مثل نزلات البرد أو الإنفلونزا)، فلا تطلب من الطبيب مضادًا حيويًا ولا تضغط عليه لوصفه، فالمضاد الحيوي فعال ضد البكتيريا فقط وليس الفيروسات.
  • أكمل الجرعة المقررة كاملة: ينبغي عليك إكمال فترة العلاج التي وصفها الطبيب حتى لو شعرت بالتحسن قبل انتهائها؛ لأن التوقف المبكر قد يؤدي إلى عدم القضاء على البكتيريا بالكامل، فتعود العدوى من جديد بما تبقى منها، وقد تطور السلالة الباقية مقاومة تجعلها غير مستجيبة للمضاد الحيوي لاحقًا.
  • لا تحتفظ ببقايا الدواء: تخلص من أية كبسولات أو أقراص مضاد حيوي متبقية بعد انتهاء العلاج، ولا تحتفظ بها لما يسمى "يوم الحاجة". المضاد الحيوي الموصوف يكون فعالًا لحالة الالتهاب المحددة وفي تلك الفترة فقط، وقد لا يكون مناسبًا لحالات أخرى.
  • انتظم في أوقات تناول الدواء: خذ المضاد الحيوي في المواعيد المحددة التي نصح بها الطبيب أو الصيدلي. الحفاظ على تركيز منتظم من الدواء في الجسم ضروري لفعاليته؛ فتناوله بانتظام يساعد على القضاء على البكتيريا بشكل أفضل.
  • لا تقترح دواءك للآخرين: لا تنصح غيرك بتناول المضاد الحيوي الذي وُصف لك حتى لو كانت أعراضهم مشابهة لأعراضك؛ فقد لا يكون مناسبًا لمرضهم، وتناول الدواء الخاطئ سيؤخر العلاج الصحيح ويتيح للبكتيريا الوقت للتكاثر وانتشار العدوى.
  • استشر المختص حول كيفية تناول الدواء: اسأل الطبيب أو الصيدلي عن الطريقة الصحيحة لتناول المضاد الحيوي (مثلًا مع الطعام أم على معدة فارغة، وتفاعله مع الأدوية الأخرى أو الأغذية). فتناول المضاد بشكل غير صحيح قد يؤثر على امتصاصه ويقلل من فعاليته أو يلغيها تمامًا.
  • في حال نسيان جرعة أو أي خطأ في الجرعات: إذا نسيت أخذ جرعة في وقتها أو أخطأت في طريقة تناولها، فاتصل بالطبيب أو الصيدلي للحصول على التعليمات المناسبة. لا تضاعف الجرعة من تلقاء نفسك دون مشورة طبية.

الآثار الجانبية للمضادات الحيوية

معظم الآثار الجانبية الشائعة للمضادات الحيوية مرتبطة باضطرابات هضمية خفيفة، مثل الغثيان، والإسهال، أو ليونة البراز. بعض المضادات أيضًا قد تسبب حساسية للضوء الشمسي (حساسية ضوئية) مما يجعل الجلد أكثر عرضة للحروق الشمسية. ولكن بالرغم من شيوع الأعراض الطفيفة، هناك حالات قد تظهر فيها آثار خطيرة. بعد تناول المضاد الحيوي، ينبغي التواصل مع الطبيب فورًا إذا ظهرت أي من الأعراض التالية:

  • قيء مستمر أو شديد.
  • إسهال مائي شديد (قد يكون مؤشرًا على التهاب الأمعاء بكتيريا المطثية العسيرة نتيجة اختلال التوازن البكتيري).
  • آلام شديدة في البطن أو تقلصات معوية غير معتادة.
  • بقع بيضاء على اللسان أو في الفم (علامة على الإصابة بفطريات مثل القلاع الفموي).
  • إفرازات غير طبيعية أو حكة شديدة في المهبل (قد تشير إلى عدوى فطرية نتيجة اختلال التوازن البكتيري الطبيعي).

ظهور أي من هذه الأعراض يتطلب عناية طبية، لأنها قد تدل على تفاعلات دوائية خطيرة أو عدوى انتهازية تحتاج علاجًا خاصًا.

التفاعلات التحسسية للمضادات الحيوية

قد يعاني بعض الأشخاص من حساسية تجاه بعض فئات المضادات الحيوية (وخاصة مجموعة البنسلينات). إذا كان الطبيب على علم بوجود حساسية لدى المريض فلن يصف له مضادًا حيويًا من تلك المجموعة. تشمل أعراض التحسس الدوائي للمضادات الحيوية: ظهور طفح جلدي أحمر على هيئة بقع صغيرة، وحكة جلدية، وشرى (انتفاخات تحسسية في الجلد)، وتورم في الشفتين أو الوجه أو اللسان. في الحالات الشديدة، قد يحدث صعوبة في التنفس وانخفاض خطير في ضغط الدم (صدمة تأقية). ينبغي طلب الطوارئ فورًا إذا ظهرت علامات التحسس الشديد.

بالنسبة للنساء، هناك اعتبارات إضافية تتعلق باستخدام المضادات الحيوية

تتطلب طبيعة جسم المرأة والتغيرات الهرمونية التي تمر بها انتباهاً خاصاً عند استخدام المضادات الحيوية. فعلى الرغم من أهمية هذه الأدوية في علاج العدوى البكتيرية، إلا أنها قد تؤثر على التوازن الطبيعي للجسم، أو تتداخل مع أدوية تنظيم النسل، أو تشكل خطراً في مراحل معينة كالحمل. فيما يلي نستعرض أبرز النقاط التي يجب مراعاتها لضمان استخدام آمن وفعال:

العدوى الفطرية المهبلية

قد يؤدي تناول المضاد الحيوي إلى حدوث عدوى فطرية في المهبل؛ والسبب أن المضادات تقتل بعض البكتيريا الطبيعية النافعة التي تعيش في المهبل، مما يسمح للفطريات (مثل الخمائر) بالنمو السريع. تشمل الأعراض الشائعة لهذه الحالة: حكة أو حرقان في منطقة المهبل، ألم أثناء الجماع، وإفرازات مهبلية كثيفة غير معتادة. في حال ظهور مثل هذه الأعراض، يجب استشارة الطبيب لعلاجها بمضادات الفطريات المناسبة.

خفض فعالية حبوب منع الحمل

بعض المضادات الحيوية قد تقلل من فعالية حبوب منع الحمل الفموية. لذلك يُنصح باتخاذ وسائل منع حمل إضافية (مثل الواقي الذكري) أثناء فترة العلاج بالمضاد الحيوي وفي الأيام التي تليها، خاصة عند استخدام مضادات معروفة بهذا التأثير مثل ريفامبيسين. من الضروري في هذه الحالات استشارة الصيدلي أو الطبيب حول الاحتياطات الواجبة لتفادي حدوث حمل غير مخطط له.

سلامة الحمل والجنين

على النساء الحوامل توخي الحذر الشديد مع المضادات الحيوية، حيث يمكن لبعضها عبور المشيمة والوصول إلى الجنين مسببًا أضرارًا محتملة. فعلى سبيل المثال، تعتبر التتراسيكلينات من الأدوية الممنوعة أثناء الحمل لأنها قد تلحق الضرر بنمو عظام الجنين وتؤدي إلى تصبغ أسنان الطفل فيما بعد. عمومًا، يجب ألا تتناول المرأة الحامل أي مضاد حيوي إلا تحت إشراف طبي دقيق وبعد التأكد من أمان استخدامه في فترة الحمل.

متى تم اكتشاف أول مضاد حيوي ومن اكتشفه؟

تم اكتشاف البنسلين بالصدفة عام 1928 على يد الطبيب

، عندما لاحظ أن فطر البنسيليوم يقضي على البكتيريا.

هل تعالج المضادات الحيوية الإنفلونزا ونزلات البرد؟

لا. المضادات الحيوية فعالة فقط ضد البكتيريا، ولا تؤثر على الفيروسات المسببة للبرد أو الإنفلونزا. استخدامها في هذه الحالات غير مفيد وقد يزيد من مشكلة مقاومة البكتيريا.

لماذا يجب إكمال جرعة المضاد الحيوي كاملة حتى بعد الشعور بالتحسن

لأن التوقف المبكر قد يترك بعض البكتيريا حية، مما يسمح للعدوى بالعودة وتطور البكتيريا لتصبح مقاومة للعلاج في المستقبل.

ما هي "مقاومة المضادات الحيوية" وكيف تحدث؟

هي قدرة الجراثيم على النجاة من دواء كان يقتلها سابقاً. تحدث نتيجة الاستخدام المفرط أو الخاطئ (مثل الجرعات غير المكتملة)، حيث تطور البكتيريا طفرات جينية تحميها وتنتقل هذه المقاومة بين الجراثيم.

هل يمكنني استخدام بقايا مضاد حيوي أو مشاركته مع الآخرين؟

لا. يجب التخلص من أي بقايا للدواء وعدم وصفه للآخرين، لأن المضاد الحيوي يوصف لحالة بكتيرية محددة، واستخدامه الخاطئ قد يؤخر العلاج الصحيح وينشر العدوى.