تاريخ وخريطة مدينة كاشمر الشاملة في "ويكي آنا"
وفقًا لتقرير مراسل قسم السفر والسياحة في المجموعة الاجتماعية بوكالة "آنا" للأنباء، تقع مدينة كاشمر – مركز مقاطعة كاشمر – في شرق إيران، جنوب غرب محافظة خراسان الرضوية، على بُعد نحو 220 كيلومترًا جنوب مدينة مشهد. يحدُّها من الشرق مقاطعة تربت حيدرية، ومن الغرب مقاطعتا خليلآباد وبردسكن، ومن الشمال مقاطعة نيسابور، ومن الجنوب مقاطعتا فيضآباد (محولات) وجناباد. تبلغ مساحة مقاطعة كاشمر حوالي 1150 كم²، ويقدر عدد سكانها بحوالي 146,500 نسمة حسب تعداد عام 2006. تتمتع كاشمر بمناخ متنوع ذي أربعة فصول: فالمناطق الشمالية ذات طقس جبلي معتدل، بينما الجزء الجنوبي صحراوي حار وجاف، أما السهل المركزي فخصب جدًا. كانت المقاطعة سابقًا تضم قسمين إداريين (المركزي وكوهسرخ) إلى أن انفصل قسم كوهسرخ وأُعلن كمقاطعة مستقلة عام 2019.
تشتهر كاشمر بمنتجات زراعية عالية الجودة، أهمها الزعفران والعنب بمختلف أنواعه والرمان والزبيب، بالإضافة إلى محاصيل أخرى كالقُطن وبعض الحلويات المحلية مثل السوهان والبقلاوة. وتُعد أيضًا من مراكز صناعة السجاد اليدوي في إيران. في الوقت الحالي، تحتضن كاشمر خمسة مراكز للتعليم العالي تشمل: جامعة بيام نور (فرع كاشمر)، وجامعة آزاد الإسلامية (فرع كاشمر)، ومؤسسة التعليم العالي التابعة لـ”جهاد دانشگاهي“ في كاشمر، ومركز كاشمر للتعليم العالي، وكلية التمريض (التي أصبحت لاحقًا كلية العلوم الطبية بكاشمر).

الحِرف والصناعات التقليدية
تشكل حياكة السجاد، ونسج نسيج الـ”زيلو“ القطني، وصناعة أحذية الـ”جيوه“ اليدوية، وإعداد الأقمشة المنسوجة يدويًا، ونسج قماش الـ”شادرشب“ الحريري أبرز الصناعات والحِرف اليدوية في هذه المنطقة. تتمتع صناعة السجاد الكاشمري بشهرة خاصة من حيث الكمّ والنوع، وتدرّ القسم الأكبر من دخل السكان. تُنسج السجاديات والبُسُط في كاشمر غالبًا من الصوف، وتزدان بنقوش وتصاميم تقليدية متنوعة، منها التصاميم الكاشمرية والكاشانية والنقوش الأثرية ورسوم الـ”لَچَك“ (الركنية) والـ”تُرُنج“ (الميدالية)، وكذلك الزخارف الإسليمية المتعرجة (خطوط الأرابيسك) وتصاميم مستوحاة من نقوش تخت جمشيد الأثرية، ورسوم الأشجار، ونقشة الـ”سهكله“ (أي ذات الثلاث زهرات)، وتصميم الـ”چهار رقصي“ (أي أربع رقصات)، بالإضافة إلى التصاميم التركمانية ونقشة الـ”گلتورهای“.
تُعد كاشمر ثاني مدينة زيارية في خراسان الرضوية بعد مشهد، ورابع مدينة زيارية في إيران نظرًا لوجود مراقد العديد من أبناء الأئمة والشخصيات الدينية فيها. كما أنها وجهة سياحية بارزة على مستوى المحافظة، وتحمل لقب “مدينة السرو الأسطوري” نسبةً إلى شجرة السرو التاريخية الشهيرة في تراثها.
لمحة تاريخية وأصل التسمية
عُرفت منطقة كاشمر عبر التاريخ لفترة طويلة بالاسم القديم ”تُرشيز“. وحتى العقود القريبة كانت المقاطعات الحالية لكاشمر وبُردسكن وخليلآباد تشكِّل معًا مقاطعة كبيرة واحدة مركزها كاشمر. تقع هذه المنطقة على أطراف طريق الحرير التاريخي، مما أكسبها إرثًا حضاريًا عريقًا عبر العصور. وتشير المصادر التاريخية إلى أن لهذه المدينة ما يزيد عن خمسة وعشرين اسمًا وردت في المدونات القديمة، من أبرزها: كِشمر، كَشمير، كِشمار، كاشمر (الاسم الحالي)، كاخَجَر (ويعني ”شجرة الصنوبر الكبيرة“ في إشارة إلى شجرة السرو الشهيرة)، وكذلك بُست، وتُرشیش/طُرَثیث (تحريفات لـ”ترشيز“)، وسُلطانآباد وغيرها.
أصل تسمية كاشمر: يُرجّح أن كلمة كِشمر تعود في أصلها إلى معنى “حضن الأم”، وربما تشير إلى كونها مسقط رأس النبي الإيراني زرادشت وفق بعض الروايات. ويرى آخرون أن الاسم تطوّر عبر الزمن من الصيغ القديمة كاشخر وكاشغر، حيث أن المقطع “كاش” هو صيغة محلية من كلمة “كاج” التي تعني شجرة الصنوبر بالفارسية، وهو تذكير بشجرة سرو كاشمر العظيمة التي كانت رمزًا مميزًا للمدينة. (الجدير بالذكر أن “كِشمر” أيضًا اسم قرية ذات أبراج وأسوار كانت تتبع مقاطعة خليلآباد، يُقال إن شجرة السرو الأسطورية زُرعت بها).
أسطورة سرو كاشمر
ارتبط اسم كاشمر بأسطورة شجرة السرو المقدسة التي ذاع صيتها في المراجع الزرادشتية والإسلامية. تذكر المصادر القديمة (مثل ”دانشنامه مزديسنا“ بالفارسية) وما أورده الفردوسي في الشاهنامه، أن زرادشت غرس بيديه شتلة سرو في بقعتين مباركتين: إحداهما في قرية كِشمر بخراسان (كاشمر حاليًا)، والأخرى في قرية فريومد بطوس. نمت شتلة سرو كاشمر عبر القرون لتصبح شجرة باسقة ضخمة مذهلة للناظرين. يُقال إن محيط جذعها بلغ 27 تازیانة (وحدة قياس قديمة تعادل كل منها حوالي ذرع وربع) – أي ما يقارب 35 مترًا – وبلغ عمرها حين قطعها أكثر من 1400 عام. كانت الشجرة وارفة الظلال لدرجة أن أكثر من عشرة آلاف رأس من المواشي (الأبقار والأغنام) اتخذت من ظلها ملجأً ظهيرة كل يوم. كما عشّش في أغصانها عدد لا يُحصى من الطيور مختلفة الأنواع.
ذاع صيت سرو كاشمر حتى وصل إلى بلاط الخلافة العباسية في القرن الثالث الهجري. فحين كان الخليفة العباسي المتوكل (حكم 232–247هـ) منشغلًا ببناء عاصمته الجعفرية في سامراء، بلغه وصفٌ لهذه الشجرة العجيبة. فثارت في نفسه الرغبة لرؤيتها واقتلاعها لجلبها إلى قصره. أصدر المتوكل أمرًا إلى حاكم خراسان آنذاك، طاهر بن عبد الله بن طاهر، بقطع تلك الشجرة ونقلها إلى العراق. وعُيِّن نجار ماهر من نيسابور يُدعى الأستاذ حسين النجار لإنجاز المهمة. عندما علم الزرادشتيون بالأمر، عرضوا على طاهر خمسين ألف دينار ذهبًا لترك الشجرة وشأنها احترامًا لقدسيتها، لكن العرض رُفض بأمر الخليفة. شرع النجار بقطع السرو العملاق، ويُقال إن الأرض اهتزت عند سقوطه وتضررت القنوات المائية والمباني المجاورة. حلّقت أعداد لا تحصى من الطيور المفزوعة من أغصان الشجرة، حتى أحالت السماء إلى ظلمة بأنواعها وهي تصدح بالنواح.
بعد قطع الشجرة، أُرسل جذعها الضخم إلى بغداد ملفوفًا باللباد، وحُمّلت أغصانها على 1300 جمل لنقلها. وقد بلغت تكاليف نقل الجذع وحده 500 ألف درهم فضي. ويورد المؤرخون أنه في الليلة التي سبقت وصول قافلة الجمال إلى مشارف بغداد (على بُعد مرحلة واحدة من قصر المتوكل بالجعفرية)، كانت نهاية المتوكل مأساوية – إذ قُتل غدرًا على يد بعض حاشيته المقربين – فلم يرَ جذع السرو أبدًا. وروى المؤرخ علي بن زيد البيهقي في ”تاريخ بيهق“ أن كل من شارك في جريمة قطع الشجرة ونقلها هلك خلال أقل من عام؛ سواء الحاكم الآمر أو النجار أو الحداد أو حتى المتفرجون على قطعها، فلم يبقَ منهم أحد، في ما اعتُبر عقابًا ربانيًا عجيبًا.
خلّد الشعراء ذكر سرو كاشمر في أبياتهم. قال الشاعر معزّي (من شعراء القرن الخامس الهجري) مادحًا محبوبه ومشبهًا قامته بالسرو:
«لا يُولَدُ في كاشغر تركيٌّ مثلك ولا ينمو في كاشمر سروٌ كمثلك».
ويُنسب للإمام الخميني (رض) قوله في بيت شعر:
«قامتُكِ الفاتنةُ في بُستانِ الحُسن سروٌ لا يوجدُ مثلُهُ في كاشمر».
كما جاء في الشاهنامه على لسان الفردوسي في وصف تلك الحادثة:
«زرادشتُ سروًا حرًّا غرسَهُ أمامَ بابِ النار
وكتبَ عليهِ أن Gushtasp قد اعتنقَ الدينَ الأفضل
وبعثَ برسالةٍ إلى كلِّ البلاد: أيُّ شجرةٍ في العالم كهذا السروِ في كِشمر؟
أرسلَني الإلهُ من السماء إلى الأرضِ وقالَ لي: من هنا اصعدْ إلى الجنّة
الآن أصغوا جميعًا لنُصحي وسيروا على الأقدامِ نحوَ سروِ كِشمر».
من الجدير بالذكر أن شجرة السرو مثّلت منذ القدم رمزًا لإيران القديمة، لذا يُكثر صُنّاع السجاد والبُسط الإيرانيون من رسم نقوش السرو بأغصانها المنحنية في أعمالهم، تخليدًا لتلك الرمزية الوطنية. ولا تزال في قرية كِشمر (التابعة لخليلآباد) أطلال مئذنة قديمة تُعرف بـ*”مئذنة كشمر“* قائمة حتى اليوم؛ يرى بعض الأهالي أنها شُيدت في موضع تلك الشجرة التاريخية. وقبل عقود زعم أحد الباحثين (مرزبان خسرويان) أنها قد تكون قبر النبي زرادشت، لكن لم يثبت أي دليل يؤكد صحة هذا الادعاء. وقد انتشر بين الناس في التراث الإيراني اعتقادٌ بأن من يأمر بقطع شجرة سرو مباركة سيُعاقَب بالموت الفوري – وهو ما انعكس في مصير المتوكل العباسي بعد قطعه سرو كاشمر.
الموقع الجغرافي والمناخي
تتمتع مدينة كاشمر بموقع استراتيجي فريد يجعلها حلقة وصل حيوية بين المرتفعات الجبلية والمناطق الصحراوية في شمال شرق إيران. تقع المدينة في الركن الجنوبي الغربي لمحافظة خراسان الرضوية، وتتربع على ارتفاع يصل إلى 1060 مترًا فوق مستوى سطح البحر، مما يمنحها إطلالة طبيعية وتضاريس مميزة. وبسبب هذا التموضع الجغرافي، يظهر تباين مناخي لافت بين شمالها الجبلي المعتدل وجنوبها الصحراوي الجاف، ما يجعلها واحدة من أكثر المناطق تنوعاً في الإقليم. كما يلعب نهر ششطرّاز دوراً محورياً في رفد سهولها بالمياه، مما ساهم في تحويل السهل الأوسط إلى واحدة من أخصب بقاع خراسان التي تشتهر ببساتين العنب والزعفران والرمان.
مدينة كاشمر خريطة
تقع مدينة كاشمر في جنوب غرب محافظة خراسان الرضوية (شمال شرق إيران)، على ارتفاع حوالي 1060 مترًا فوق سطح البحر. يمر بقرب المدينة نهر ششطرّاز الذي يرفد سهولها بالمياه. تبعد كاشمر نحو 220 كم عن مركز المحافظة (مشهد) كما أسلفنا.

من الناحية الإدارية، تحدّها شمالًا منطقة كوهسرخ الجبلية (التي أصبحت مقاطعة مستقلة) وصولًا إلى حدود نيسابور، وشرقًا مقاطعة تربت حيدرية، وجنوبًا مقاطعتا فيضآباد وجناباد، وغربًا مقاطعتا خليلآباد وبُردسكن.
المناخ في كاشمر متنوع تبعًا للتضاريس: يتميز القسم الشمالي بأجواء معتدلة ومائلة للبرودة لوقوعه في سفوح سلسلة جبال كوهسرخ، بينما يسود القسم الجنوبي من المقاطعة مناخٌ صحراوي جاف حار نظرًا لقربه من صحراء دشت كوير. أما السهل الأوسط فكثيرًا ما يوصف بأنه من أخصب مناطق خراسان، حيث تكثر بساتين العنب والرمان ومزارع الزعفران. وبشكل عام، تتمتع كاشمر بفصول أربع واضحة المعالم، مع شتاء بارد معتدل وصيف حار نسبياً. ويُصنّف مناخها ضمن المناخ الشبه القاحل (تصنيف BSk) بحسب تصنيف كوبن.
جيولوجيًا، يقع جزء من أراضي كاشمر على امتداد صدع جيولوجي معروف باسم فالق درونه. لهذا شهدت المنطقة عبر التاريخ بعض النشاط الزلزالي. ورغم ذلك، يُذكر في بعض المصادر المحلية أن قرية كشمر القديمة تميّزت بأنها لم تشعر بأي زلزال كبير مقارنة بالمناطق المجاورة، ربما لما تتمتع به تربتها من خواص جيولوجية فريدة.
الآثار القديمة والمعالم التاريخية
على الرغم مما مرّ على كاشمر من نكبات وتدمير – سواء بسبب عوامل الطبيعة كالزلازل وعوامل التعرية، أو نتيجة الغزوات البشرية المتكررة عبر القرون – فلا تزال في أطراف المدينة وضواحيها مواقع أثرية قيمة تعود إلى حقب تاريخية متنوعة. الكثير من هذه الآثار، خصوصًا الواقعة في المناطق الجبلية الوعرة ضمن قسم كوهسرخ، بقيت خفية عن الأنظار ونادرة الزيارة. تجدر الإشارة إلى أنه نظرًا لعدم وجود مكتب رسمي لمنظمة التراث الثقافي في كاشمر، لم يُسجَّل سوى عدد قليل من مواقعها ضمن قائمة الآثار الوطنية الإيرانية.

فيما يلي أبرز المعالم الأثرية التاريخية في كاشمر وجوارها:
- المسجد الجامع لكاشمر: يعود تاريخ بنائه إلى عام 1213هـ (حوالي 1798م) في عهد حاكمي كاشمر آنذاك عبد العلي خان ومصطفى قلي خان ميش مست، خلال فترة حكم السلطان فتح علي شاه القاجاري. يقع المسجد وسط المدينة، ويمتاز ببنائه البسيط المتين. يضم فناءً واسعًا وإيوانًا تقليديًا وشبستان (قاعة صلاة) مسقوفة محمولة على أعمدة، وغرفًا تحيط بالفناء. فوق مدخل المسجد توجد مقصورة صغيرة كُتب عليها تاريخ 1205هـ (وفق حساب الجُمَّل) مما يرجح بناء جزء من المسجد مباشرةً بعد وفاة عبد العلي خان، لكن إحدى لوحات الزخرفة تشير إلى سنة 1213هـ، ما يتزامن مع ذروة نفوذ مصطفى خان حينها. مدخل المسجد مزين بتفاصيل مقرنصات جميلة، وتزدان المحراب والإيوان بتشابيك الكاشي المعرّق (الفسيفساء الخزفية) التي أضيفت في مراحل ترميم لاحقة.
- باغ مزار (مرقد السيد حمزة): مجمع ديني وحديقة تقع في شرق المدينة، يضم مقام السيد حمزة بن موسى الكاظم (ع)، وهو أخو الإمام الرضا (ع). تشير الدلائل إلى أن عمارة المرقد الأولى أُقيمت في العصر الصفوي، وشهدت ترميمات وتوسعات متعددة خلال العصور اللاحقة وحتى السنوات الأخيرة. تبلغ مساحة مبنى المرقد الحالي حوالي 2000 م²، ويشمل قبة وضريحًا وقاعة واسعة تحيط بها الأروقة. أعيد ترميم القبة والمآذن والتزيينات المختلفة (كالكاشي المعرق والمرايا) في فترات حديثة، خاصة في سنة 1399هـ. وأصبحت الحدائق المحيطة به منتزهًا شعبيًا يقصده الزوّار بغرض الزيارة والتنزّه معًا.

- مرقد السيد مرتضى (ع): يقع على بعد 5 كيلومترات شمالي كاشمر في منطقة مرتفعة نسبياً. وهو مقام السيد مرتضى بن موسى الكاظم (ع) (شقيق السيد حمزة والإمام الرضا) الذي يُروى أنه استشهد في هذا الموقع في القرن الثاني الهجري إبان اضطهاد الأمويين. المرقد اليوم عبارة عن مجمع حديث البناء بمساحة تقارب 1800 م²، يضم إيوانًا واسعًا مزخرفًا عند المدخل تعلوه مئذنتان، إضافة إلى قبة فيروزية جميلة فوق الضريح. يعود بناء الهيكل الحالي إلى عام 1399هـ (1979م) حيث قام أحد المتبرعين (المهندس فتحي) بتشييده، وأصبح الموقع وجهة دينية وسياحية يقصدها الأهالي والسياح يوميًا.
- ضريح الشهيد آية الله السيد حسن مدرس: معلم تاريخي وحديقة تقع في وسط المدينة. السيد حسن مدرس هو أحد أعلام المقاومة السياسية في إيران (نائب في البرلمان في العهد القاجاري ثم أُعدم عام 1937م بأمر رضا شاه). أُقيمت عمارة فخمة فوق قبره وسط بستان كبير ومسيّج عام 1363هـ ش (1984م)، لتحل محل مقبرته القديمة الصغيرة. يضم الضريح قاعة فسيحة وقبة شامخة، ويُعد تكريمًا لإرث الشهيد مدرس. تحيط به حدائق خضراء ويتوسطه صرح تذكاري، ما جعل الموقع أيضًا متنفسًا للأهالي.
- قلعة چهل دختر و چهل پسر: موقع أثري عبارة عن بقايا حصن أو مستوطنة قديمة تقع في إحدى القرى الجبلية (يُترجم الاسم حرفيًا إلى “أربعين بنتًا وأربعين ولدًا”). ارتبطت تسميتها بأسطورة محلية ربما تشير إلى لجوء مجموعة من الفتيان والفتيات إلى هذا الموقع في زمن ما. بقايا القلعة قليلة لكنها تدل على تحصينات قديمة.
- قلعة آتشکده (معبد النار): أطلال قلعة تاريخية تقع على بعد 12 كيلومترًا شمال غرب كاشمر (حوالي 6 كلم شمال قرية كَسرينه). يُعتقد أنها كانت معبد نار زرادشتي أو حصنًا مرتبطًا به من العهد الساساني. لم يتبقَّ منها اليوم سوى أجزاء من جدار وبعض الكهوف الصغيرة. يمتد موقع القلعة لنحو 90 مترًا وبعرض محدود مع تفرعين جانبيين. يستشف من آثار الجدران أن البناء ربما كان مكوّنًا من الحجر والطين ويتناغم مع العمارة الساسانية الدفاعية.
- سد ششطرّاز (بند شاهی): سد أثري يقع على بعد 25 كلم غرب كاشمر (بالقرب من قرية ششطرّاز على الطريق بين كاشمر وبُردسكن). يُنسب بناؤه إلى العصر الغزنوي (القرن 5هـ/11م). شُيّد السد من الأحجار والطين والحجارة المحلية، ولا تزال قواعده قائمة مما يدل على هندسة مائية متقدمة في تلك الحقبة. كان السد يُستخدم لحجز مياه الأمطار والسيول للاستفادة منها في الري. اليوم لم يبقَ من السد سوى أطلال محدودة لكن موقعه لا يزال معروفًا ويشكل وجهة للتنزه.
- قلعة گَبَر حصار: تقع هذه الأطلال في شمال شرق قرية خضربیگ ضمن منطقة كوهسرخ، على بعد حوالي 27 كم شمال غرب مدينة ريْوَش (مركز كوهسرخ). ”گبر“ كلمة فارسية تعني المجوسي أو الزرادشتي قديمًا، مما يوحي بأن القلعة ربما كانت مستوطنة زرادشتية أو حامية عسكرية قديمة. وبالفعل، تشير المكتشفات إلى أن الموقع كان مأهولًا منذ قرون طويلة – ربما بين القرنين الثاني والخامس هجري – قبل الفتح الإسلامي وبعده. يمكن رؤية بقايا الأسوار المبنية من الصخور، فضلاً عن خزانات مياه منحوتة في الصخر، ما يدل على نظام إعاشة متكامل داخل القلعة في زمنها.
خرائب القلعة القديمة (بازار أمين): وهي بقايا قلعة
القديمة التي كانت قائمة وسط المدينة الحالية قبل نحو قرنين من الزمن. تذكر المصادر أنه قبيل الهجوم المغولي، كانت ترشيز مدينة محصنة صغيرة ذات أسوار وأبراج منيعة، استخدمت كقاعدة عسكرية في منطقة ربع نيسابور. يُطلق السكان على أطلال تلك القلعة تسمية ”بازار أمين“ لأنها تقع قرب موقع سوق أمين القديم. لا تزال أجزاء من الأساسات وجدران القلعة ظاهرة بالقرب من مركز المدينة (خلف مبنى البلدية الحالي)، وهي تذكار من عظمة كاشمر القاجارية حين كانت المدينة مسوّرة بالكامل تقريبًا.

مقبرة فرشه: تقع في إحدى القرى الريفية (يُحتمل أن اسمها فرشه أو فرشہ). تضم المقبرة بعض القبور القديمة ويعتقد أن فيها مدفن شخصية محلية مرموقة من العهد القاجاري، لكن المعلومات حولها شحيحة.
- يَخجال كاشمر القديم (مخزن الثلج): مبنى أثري شبه مخروطي يقع عند مدخل قرية فروتقه إلى الغرب من كاشمر. اليخجال عبارة عن مستودع تقليدي كانت تُخزن فيه كُتل الثلج والجليد شتاءً لحفظها واستخدامها في الصيف قبل عصر التبريد الكهربائي. يتميز هيكل اليخجال بسماكة جدرانه وعزلها الفريد المبني من مزيج الطين والتبن والجير (المعروف بخاصية التبريد التبخيري). لا يزال هذا اليخجال قائمًا بشكل جزئي ويزوره المهتمون بالتراث المعماري.
- المدرسة العلمية حاج سلطان العلماء: مدرسة دينية تاريخية تقع وسط المدينة، يعود تأسيسها إلى العصر القاجاري. سُمّيت تيمنًا بمؤسسها العالم حاج سلطان العلماء. تتميز المدرسة بعمارتها الإسلامية التقليدية، حيث تتوسطها ساحة (حوش) تحيط بها الغرف من جهاتها، مع إيوان في الواجهة. شهدت المدرسة بعض الترميمات خلال العقود الأخيرة للحفاظ عليها، إلا أنها ما زالت تحتفظ بهويتها الأصيلة وتعتبر من المعالم الثقافية القليلة المتبقية على حالها في المدينة. كانت المدرسة مركزًا لتعليم العلوم الدينية والفقهية ومقصدًا لطلبة العلم من أبناء المنطقة على مدى عقود طويلة.
- برج الرياح القديم: يقع فوق إحدى بنايات القلعة القديمة (ربما على سطح سوق أمين). يبدو أنه كان بادگير (برج رياح) يُستخدم قديمًا لتهوية مبنى أو صهريج تحت الأرض عبر التقاط نسمات الهواء وتوجيهها للأسفل. لم يبقَ من البرج سوى الجزء السفلي، لكنه يعطي فكرة عن استخدام تقنية أبراج الرياح في كاشمر سابقًا شأنها شأن مدن صحراوية أخرى في إيران.
- قلعة خزر آباد: أطلال قرية محصنة في منطقة كوهسرخ (شمال غرب ريْوَش). تبلغ مساحة موقع القلعة حوالي 10,000 م² ويصل ارتفاع أنقاض جدرانها إلى 6 أمتار في بعض الأجزاء. كانت القلعة مسكونة حتى 4–5 عقود خلت، مما يعني أنها ظلت آهلة إلى منتصف القرن العشرين قبل أن يهجرها سكانها تدريجيًا. تنتشر في الموقع حجارة كبيرة وأكوام من الطوب اللبن، ويمكن تمييز مخطط بعض الغرف والساحات. يرجّح أن القلعة تعود لعهد أفشاري أو زندي (القرن 18م) حين كانت هذه المنطقة مستخدمة كمستقر زراعي محصن.
بالإضافة إلى ما ذُكر، تحتضن كاشمر العديد من المواقع والمعالم التاريخية الأخرى مثل: البرك والآبار القديمة (السقاخانات)، والحمامات العامة التراثية، والخانات (المحطات والقوافلخانات على طرق القوافل القديمة)، فضلًا عن بقايا منازل تقليدية مزخرفة بأعمال الخشب والجص من العصر القاجاري تنتشر في الأحياء القديمة للمدينة.
المزارات الدينية في كاشمر
تشتهر كاشمر بأنها مدينة زيارية يقصدها المؤمنون نظرًا لاحتضانها مراقد عدة من أبناء الأئمة والشخصيات الإسلامية البارزة. وقد شهدت هذه المراقد في السنوات الأخيرة جهودًا حثيثة من قبل إدارة الأوقاف والعتبة الرضوية في توسعتها وترميمها وتجميل مرافقها لاستقبال الزوار.

من أهم المزارات الدينية في كاشمر وضواحيها:
- العتبة المقدسة للسيد حمزة (ع) – المعروفة محليًا باسم باغمزار: تقع في شرق المدينة داخل حديقة كبيرة. السيد حمزة هو ابن الإمام موسى الكاظم وأخو الإمام علي الرضا (عليهما السلام). تعود عمارة المرقد إلى العصر الصفوي، حيث شيّد الصفويون قبة وضريحًا تليق بالمقام، ثم أجريت عليه لاحقًا ترميمات عديدة آخرها في العقود الأخيرة. يشهد المرقد سنويًا توافد أعداد كبيرة من الزوار الذين يقصدونه للزيارة والتبرك، خاصة في أيام الأعياد والمناسبات الدينية. يتميز الموقع بأجوائه الروحانية وحديقته الوارفة التي جعلت منه أيضًا متنزهًا عائليًا.
- العتبة المقدسة للسيد مرتضى (ع): تقع على سفح تلة تبعد حوالي 3 كم على طريق كاشمر – خليل آباد. السيد مرتضى هو شقيق الإمام الرضا (ع) أيضًا. يُنسب استشهاده إلى القرن الثاني الهجري حيث قُتل في عهد الأمويين ودفن في هذه البقعة. شهد المرقد اهتمامًا في العصر الحديث، إذ بُني مجمع عمراني جديد يضم مسجدًا وقاعة كبيرة لإقامة الصلاة وزيارة الضريح، مع توفير مرافق للزوار. كما زُوّد المكان بحديقة ومواقف للسيارات مما جعله مقصدًا للسياحة الدينية والترفيهية على حد سواء.
- مرقد السيد محمد (ع): يُعرف محليًا باسم امامزاده محمد. يقع على بعد حوالي 3 كلم غربًا على طريق كاشمر – بردسكن (بالقرب من قرية مَمّزن أو على مشارف خليل آباد). هو مقام لأحد أبناء الأئمة (يُنسب إلى محمد بن الإمام علي الهادي على رواية أو حفيد الإمام موسى الكاظم على رواية أخرى). المرقد صغير نسبيًا لكنه موطّن وسط مقبرة عامة ويقصده الأهالي طلبًا للبركة. أقيمت عليه قبة حديثة خضراء اللون مع مساحة لصلاة الزوار.
- مرقد العلامة الشهيد السيد حسن مدرس: السيد حسن مدرس (رض) هو أحد أبرز العلماء والمجاهدين السياسيين في تاريخ إيران الحديث. كان نائبًا في البرلمان في عهد القاجار وتصدى للاستعمار ولتجاوزات رضا خان حتى تم اغتياله سنة 1937م. يقع مرقده في وسط مدينة كاشمر وقد أُعيد بناؤه وتوسعته بشكل كبير عام 1984م كما أسلفنا، حيث بات يضم صرحًا تذكاريًا وحدائق جميلة. أصبح المرقد رمزًا وطنيًا، خاصة وأن ذكرى اغتيال السيد مدرس (الموافق للعاشر من شهر آذر في التقويم الإيراني) تُعتبر “يوم مجلس الشورى” في إيران تكريمًا لدوره البرلماني. يفد المسؤولون والمواطنون إلى قبره سنويًا لإحياء ذكراه.

إلى جانب هذه المزارات الرئيسية، توجد مزارات ومقامات أصغر منتشرة في نواحي المقاطعة مثل مرقد سيد قاسم في إحدى قرى خليلآباد، وسيد حسن في قرية أخرى، وغيرها من الأضرحة المحلية التي تحظى باحترام الأهالي وإن كانت أقل شهرة على المستوى الوطني.
الأماكن السياحية والترفيهية
تمتاز كاشمر بطبيعة خلابة تجمع بين الواحات والبساتين الخضراء والمناطق الصحراوية في آن واحد، مما وفر لها أماكن جذب سياحي متنوعة. من أبرز الأماكن السياحية والترفيهية في المقاطعة:
- منتزه وشوارع سيد مرتضى: المؤدية إلى مرقد السيد مرتضى (شمال المدينة) والتي تمتد لحوالي 5 كيلومترات. تصطف الأشجار على جانبي الطريق بشكل طبيعي جميل يجعل منه نزهة مميزة للمشاة. وقد حُولت المنطقة المحيطة بالمرقد إلى حديقة غابية منظمة، تضم مناطق تنزه ومقاعد وطاولات وشلالات مياه اصطناعية صغيرة لخدمة الزوار.
- وادي كريز الأخضر: يقع في منطقة جبلية ضمن نطاق كوهسرخ شمال كاشمر. يشتهر هذا الوادي بمناظره الطبيعية الخلابة وينابيع المياه العذبة التي تجري فيه خلال مواسم الأمطار. تُعرف إحدى عيون الماء فيه باسم ”عين كريز الحارة“ حيث تنبجس مياه دافئة ذات خواص علاجية، يقصدها البعض للاستشفاء الطبيعي. وعلى مقربة من الوادي، يوجد شلال موسمي ينهمر في فصل الربيع بعد ذوبان الثلوج، ويعد مقصدًا لهواة التصوير ومحبي الرحلات الجبلية.
- البحيرات والسدود الموسمية: تنتشر في ضواحي كاشمر عدة سدود ترابية وخراسانية صغيرة بُنيت لحجز مياه السيول الموسمية والاستفادة منها في الري. في مواسم الأمطار، تشكل هذه السدود بحيرات خلابة مؤقتة تجذب الطيور المهاجرة. من أبرزها سد بند قُراء في منطقة كوهسرخ، والذي يكوّن خلفه خزانًا مائيًا يتحول في الربيع إلى وجهة تنزه لمشاهدة أسراب الطيور المائية.
- يَخدان بند قُراء الطبيعي: بالقرب من سد بند قُراء في كوهسرخ، هناك منخفض طبيعي تتجمع فيه الثلوج شتاءً بحيث تبقى حتى منتصف الصيف. يعتبره السكان ”يخچال طبيعي“ ويقصدونه في أشهر الحر لاستخراج قطع الجليد بطريقة تقليدية قديمة واستخدامها للتبريد. تحيط بالمكان مناظر صحراوية ممتدة مما يخلق تباينًا مثيرًا بين الثلج والصحراء يستقطب الزوار الفضوليين.
- حمامات ينابيع خليل آباد الساخنة: إلى الغرب من كاشمر باتجاه مدينة خليل آباد، توجد ينابيع مياه معدنية ساخنة تُعرف محليًا باسم ”گرماب“ أو ”كلرز“. مياهها غنية بالمعادن والكبريت، ويُنصح بها لعلاج بعض الأمراض الجلدية وآلام المفاصل. أقيمت بالقرب منها استراحات وأحواض سباحة للاستفادة من المياه الحارّة، ما جعلها نقطة جذب مهمة لسياح الصحة القادمين حتى من مشهد وبقية مدن خراسان.
إضافة إلى ما سبق، تحيط بكاشمر من الجهة الجنوبية الغربية أجزاء من صحراء دشت كوير. ينظم بعض المرشدين المحليين رحلات سفاري قصيرة في المناطق الصحراوية القريبة لعيش تجربة التخييم بين الكثبان الرملية لليلة واحدة، خصوصًا في فصلي الخريف والربيع عندما تكون الأجواء معتدلة. هذه الرحلات تُعرّف الزوار على جمال سماء الصحراء ليلاً وعلى حياة البدو المحليين ومشغولاتهم اليدوية التقليدية.
أعلام وعلماء كاشمر
أنجبت كاشمر (ترشيز قديمًا) عبر تاريخها عددًا وافرًا من الشخصيات العلمية والأدبية البارزة التي كان لها أثرها في مسيرة الفكر والثقافة في إيران.

كما ارتبط باسمها أعلام تولّوا مناصب مهمة في دول إسلامية سابقة. فيما يلي عرض لأبرز أعلام وعلماء كاشمر عبر العصور:
عميد الملك الكُندُري (المتوفى 456هـ/1064م)
هو أبو نصر محمد بن منصور الكُندُري، أحد أشهر وزراء الدولة السلجوقية في عهد السلطان طغرل بك (حكم 429–455هـ). وُلد في قرية كُندُر التابعة لترشيز (كاشمر)، وتميز منذ صغره بالعلم والأدب والشعر. لمع نجمه حتى اختاره السلطان طغرل وزيرًا له رغم صغر سنه، فاستمر في هذا المنصب نحو 20 عامًا. حقق عميد الملك نجاحات إدارية كبيرة وكان له دور محوري في تثبيت حكم السلاجقة في خراسان والعراق. كما عُرف عنه تعصبه للمذهب الحنفي، على خلاف غريمه الشهير نظام الملك الطوسي (وزير ألب أرسلان وملكشاه فيما بعد) الذي كان شافعيًا.
كان عميد الملك محبًا للغة الفارسية وداعمًا للأدب الفارسي. يُنسب إليه أنه أمر بأن تُكتب المراسيم والدواوين السلطانية باللغة الفارسية بدلًا من العربية لأول مرة في بلاط السلاجقة، وذلك شغفًا منه بلغته الأم، فمدحه الشعراء على ذلك. من أبيات الشاعر لامعي الجرجاني في حقه: «بمساعي عميد الملك صارت الفارسيةُ لسان الدولة» (ترجمة المعنى).
في أواخر عهد طغرل، دبّر نظام الملك مؤامرة للتخلص من عميد الملك بسبب التنافس السياسي بينهما. فاعتُقل عميد الملك وصودرت أمواله، ثم صدر الحكم بقتله عام 456هـ. نُفذ فيه إعدام مروّع حيث قُطعت أوصاله ودُفنت في عدة مدن كنوع من التشهير؛ ذُكر أن رأسه أُرسل إلى نيسابور، وفروة رأسه إلى كرمان، وبعض أعضائه إلى خوارزم، بينما دفن جسده الرئيسي في مسقط رأسه كُندُر بجوار قبر أبيه.
يُنقل أن عميد الملك وجّه كلمة للجلاد قبيل إعدامه قال فيها: «قل لوزير السلطان (أي نظام الملك): يا لها من سنة سيئة سننتها، علّمتَ الملوك قتل الوزراء! فلا أُفاجأ إن دار الزمن عليك ورأيتَ المصير نفسه لك أو لذريتك». وبالفعل، قُتل نظام الملك لاحقًا (سنة 485هـ) على يد فرقة الحشاشين، لتتحقق نبوءة عميد الملك بعد عقود.
الشيخ أحمد جامي النامقي الملقب بـ(ژندهبيل) (440–536هـ على الأرجح)
هو أحمد بن أبي الحسن بن أحمد... بن جرير البجلي النامقي، متصوف وزاهد كبير، وقطب من أقطاب التصوف السني في القرن الخامس والسادس الهجري. وُلد سنة 440هـ في قرية نامق التابعة لترشيز (مقاطعة كاشمر حاليًا)، في أسرة عريقة يعود نسبها للصحابي جرير بن عبد الله البجلي. يُعرف بألقاب عديدة منها: شيخ الإسلام، شهاب الدين، زندهبیل (وتعني بالفارسية “الفيل الحي” إشارة إلى قوته الروحية)، پیر جام، شيخ جام. كلمة جامي نسبة إلى جام (مدينة تربت جام) حيث قضى معظم سنيّ عمره ونُسب إليها.
في شبابه كان معروفًا باللهو قبل أن يهتدي ويتوب في سن الثانية والعشرين. بعد توبته، انقطع للعبادة والخلوة، وذاع صيته كولي صالح وصوفي ذو كرامات. تتلمذ على يديه عدد كبير من السالكين. ترك الشيخ أحمد عدة مؤلفات فارسية في التصوف والأخلاق والحكمة، من أبرزها:
- سراج السائرين: كتاب بأسلوب السؤال والجواب، يتناول الفرق بين السلوك القويم والمعوج، ويحلل أخلاق البشر، ويُقارن بين أحوال الصادقين في التوبة والمتزهدين المرائين، ويفرّق بين الحب الإلهي والهوى الدنيوي.
- روضة المذنبين وجنة المشتاقين: يشتمل على وصاياه ومواعظه لمشايخ الصوفية ولمريديه السالكين طريق الحق. جمع فيه خلاصات تجاربه ونصائحه للتائبين كيف يثبتون على توبتهم ويزكون أنفسهم.
- بحار الحقيقة: في هذا الكتاب قام الشيخ أحمد بجهد فريد؛ إذ جمع بين شرح الأفكار الصوفية وتفسير آيات من القرآن الكريم. فقد طلب مريدوه منه تفسير بعض الآيات بروحانية التصوف، فاستجاب وصاغ تفسيرات بالفارسية سهلة وجذابة يفهمها العامة، معتمدًا أسلوب القصص والأمثال لتقريب المعاني. يُعد الكتاب من أوائل التفاسير الصوفية بالفارسية.
- أنيس التائبين: وهو أوسع كتبه وأشهرها، كُتب أيضًا بالفارسية على شكل سؤال وجواب في 45 بابًا. يركّز الكتاب على فضل التوبة خاصة توبة الشباب – إذ يذكر الشيخ أنه نفسه تاب شابًا ويحضّ الشباب على المسارعة إلى التوبة – كما يفصل أحوال التائبين الصادقين وطرائقهم في مجاهدة النفس وتزكيتها.
- مفتاح النجاة: رسالة موجزة هي أشبه بمفاتيح لحل مشكلات السالكين والإجابة عن أسئلتهم. يعرض فيها موجز عقيدة أهل السنة، وسيرة المتصوف الصادق، وكيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطها، وغيرها من المواضيع التي تُرشد المريد في طريقه إلى الله.
- الرسالة السمرقندية: رسالة قصيرة دوّن فيها الشيخ أجوبة على مسائل طرحها عليه بعض مريديه خلال سفره إلى سمرقند. ورغم حجمها الصغير، لكنها تتضمن خلاصات مهمة في السلوك الصوفي والإرشاد.
عاش الشيخ أحمد جام 96 سنة (وفق إحدى الروايات) وتوفي إما سنة 525هـ أو 536هـ (هناك خلاف في سنة وفاته، ذكر حاجي خليفة أنها 536هـ). دفن في تربت جام حيث لا يزال ضريحه مزارًا مشهورًا. وقد خلّف وراءه مدرسة روحية جعلت من تربت جام إحدى منارات التصوف في خراسان لقرون بعده.
وإلى جانب هذين العلمين الكبيرين، هناك الكثير من أبناء وبنات كاشمر الذين برزوا في مجالات مختلفة عبر التاريخ، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:
- الشعراء الترشيزيون: مثل شهاب ترشيزي وظهوري ترشيزي وطوطي ترشيزي ومؤمن ترشيزي وآهي ترشيزي وعهدي ترشيزي ومنتخب ترشيزي ومظهري ترشيزي وأهلي ترشيزي وغوّاص بستِي. هؤلاء عاشوا بين القرنين الثامن والعاشر الهجري وتفننوا في قول الشعر الفارسي الكلاسيكي (خاصة الشعر الصوفي والغزلي) وذُكرت أسماؤهم في تراجِم الشعراء الخراسانيين.
- كاتبي الترشيزي: شاعر فارسي من القرن التاسع الهجري (الخمسة عشر ميلادي) يُلقب نادره شعر خراسان أي نابغة خراسان الشعرية. له أعمال مميزة منها منظومة شعرية بعنوان ”بهرام وكُلاندام“ (قصة شعرية بطولية-غرامية)، وأخرى بعنوان ”حسن وعشق“، بالإضافة إلى تأليفه ”خمسة“ على منوال نظامي الكنجوي في سرد خمس قصص شعرية.
- شخصيات دينية وعلمية حديثة: مثل أسرة آل طه في كاشمر التي برز منها علماء دين، وحاج الشيخ (لقب لأحد كبار العلماء المحليين)، وحاج سلطان (ربما صاحب المدرسة المذكورة أعلاه)، والعلامة سيد إبراهيم إمامي الذي كان إمام جمعة كاشمر خلال القرن الماضي. كذلك هناك العالم اللغوي سِيبَوَيْهِ الكاشمري (يختلف عن سيبويه النحوي الشهير؛ هذا لقب لأحد علماء الأدب في كاشمر)، والعلامة سعيدي، والعلامة مدرّسي، والعلامة إشراقي أيوري، وغيرهم ممن تولوا التدريس والقضاء والإمامة في المنطقة.
- ملك الشعراء محمد تقي بهار: الشاعر والإصلاحي المعروف ملكالشعراء بهار (1886–1951م) والذي كان من أبناء مشهد، مثّل مدينة كاشمر نائبًا عنها في مجلس الشورى الوطني لفترة قصيرة في أوائل القرن العشرين. جاء اختياره ممثلًا لكاشمر نظرًا لشهرته وتأثيره الأدبي رغم أنه لم يكن مولودًا فيها، ما يدل على مكانة كاشمر كحاضنة للثقافة والأدب وحرص أهلها على إيصال صوت المثقفين إلى البرلمان في زمن مبكر.
باختصار، تمثل كاشمر وتاريخها صورة مصغرة عن تنوع وغنى تراث خراسان: من حضارة فارسية ضاربة في القدم، إلى احتضانها معالم إسلامية وروحية، وكونها موطنًا لشخصيات لامعة تركت بصمتها في السياسة والدين والأدب. وما بين سروها الأسطوري وسجادها الشهير وزعفرانها النفيس، تظل كاشمر واحةً للتاريخ والثقافة شرق إيران جديرة بالاستكشاف والتأمل.
FAQ
أين تقع كاشمر؟
تقع في شرق إيران ضمن جنوب غرب خراسان الرضوية، على بُعد نحو 220 كم جنوب مشهد؛ يحدّها من الشمال نيسابور، ومن الشرق تربت حيدرية، ومن الغرب خليلآباد وبردسكن، ومن الجنوب جناباد / فيضآباد.
ما معنى اسم كاشمر وأصل التسمية؟
يرجّح أن الجذر يعني «حضن الأم»، وهناك ربط قديم بين المقطع «كاش/كاج» وشجرة الصنوبر، في تذكيرٍ برمز المدينة سرو كاشمر، مع أسماء تاريخية سابقة مثل «ترشيز».
ما هي أسطورة سرو كاشمر؟
تفيد الروايات أن زرادشت غرس سروًا في كِشمر، فصار شجرة أسطورية هائلة، وقُطعت بأمر المتوكل العباسي ونُقلت جذوعها نحو العراق، فخلّدتها الأشعار والذاكرة الشعبية.
ما أشهر المنتجات الزراعية في كاشمر؟
أبرزها الزعفران والعنب والرمان والزبيب بجودة عالية، إلى جانب القطن وبعض الحلويات المحلية.
ما أبرز الآثار والمعالم التاريخية في كاشمر؟
منها قلعة آتشکده، سد ششطرّاز، قلعة گبر حصار، بازار أمين (أطلال القلعة)، يَخجال كاشمر، ومئذنة كشمر، إضافة إلى المسجد الجامع ومراقد الأعلام.
ما هو مناخ كاشمر وأفضل وقت للزيارة؟
المناخ شبه قاحل (BSk) بفصول واضحة؛ الربيع والخريف هما الأنسب للزيارة، فالصيف حار جنوبًا، والشتاء مائل للبرودة شمالًا.
كيف أصل إلى كاشمر وما هي وسائل النقل؟
أسهل طريق هو الوصول إلى مشهد جوًا أو برًا ثم المتابعة برًا إلى كاشمر (قرابة 220 كم) عبر الحافلات وسيارات الأجرة بين المدن؛ وتتوفّر وصلات برية من نيسابور وتربت حيدرية أيضًا.







