كيف كانت شهادة حضرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)؟
تزامنًا مع الذكرى المفجعة لاستشهاد سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، سنستعرض تفاصيل شهادتها بشكل تاريخي وموثّق. هذا العرض يرصد أيضًا قصة شهادة فاطمة الزهراء كما تتناقلها المصادر الشيعية المعتبرة، مع الإشارة إلى روايات شهادة فاطمة الزهراء المتعددة وتواريخها المختلفة. ومن يسأل: من هي الزهراء عليها السلام؟ فهي بنت النبيّ محمد (ص) الوحيدة الباقية بعد وفاته، وزوج أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) وأمّ الحسنين (ع).
وفقًا لتقرير مراسل قسم الدين والشعائر في مجموعة الثقافة بوكالة "آنا" للأنباء، استُشهدت حضرة الزهراء (عليها السلام) في اليوم الثالث من شهر جمادى الآخرة سنة 11 هـ. هناك روايات مختلفة حول تاريخ شهادتها؛ حيث يرى البعض أن التاريخ الصحيح هو بعد 75 يومًا من وفاة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، بينما يرى آخرون أنه بعد 95 يومًا من وفاته. كانت حضرة فاطمة (عليها السلام) تبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا فقط عند شهادتها. ويُعرف في الأدبيات الشعبية والدينية أنّ ذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء تُحيى في مواسم متعدّدة تبعًا لتلك الروايات.

يرمز هذا المشهد إلى رحيل سيدة نساء العالمين من بيتها المتواضع إلى مثواها الأخير، تاركةً وراءها نورًا لا ينطفئ وذكرى مؤلمة.
تاريخ شهادة فاطمة الزهراء (عليها السلام)
تذكر المصادر التاريخية أكثر من عشر روايات (ربما 10 إلى 15 رواية) حول ما يُعرف بـالأيام الفاطمية، ولكن المشهور منها ثلاث روايات رئيسية:
- رواية 40 يومًا: وهي على أساس أن فترة بقائها بعد والدها النبي (ص) كانت حوالي أربعين يومًا فقط، وتصادف هذا القول الفترة من 8 إلى 10 ربيع الآخر. يُطلق على هذه الفترة أحيانًا الفاطمية الأولى عند إحياء ذكرى الزهراء، لكنها أقل شيوعًا.
- رواية 75 يومًا: وهي الرواية الثانية، وتصادف 13 إلى 15 جمادى الأولى. تُعرف هذه الفترة لدى الشيعة باسم الفاطمية الأولى (في بعض المصادر العربية) أو العشرة الثانية لإحياء عزاء الزهراء.
- رواية 95 يومًا: وهي الرواية الثالثة، وتصادف 1 إلى 3 جمادى الآخرة. هذه الرواية هي الأكثر شهرة وتأكيدًا من ناحية السند لدى باحثي التاريخ الإسلامي، وتُعرف بفترة الفاطمية الثانية أو الثالثة. يعتبر الكثير من العلماء هذه الرواية الأقوى ترجيحًا.
يرجّح الباحثون أن الرواية الثالثة (95 يومًا بعد وفاة الرسول) هي الأقرب إلى الواقع تاريخيًا. لذلك، يعتمدها العديد من المؤرخين الشيعة كتاريخ استشهاد الزهراء (ع) (أي الثالث من جمادى الآخرة سنة 11 هـ). مع ذلك، يُوصي كبار المراجع وعلماء الشيعة بإقامة مراسم العزاء وإحياء ذكرى فاطمة الزهراء (ع) في جميع الروايات المذكورة إظهارًا لمظلوميتها وتعظيمًا لشأنها. بالفعل، فإن الرواية الثانية (13 جمادى الأولى) والثالثة (3 جمادى الآخرة) مُدرجتان في التقويمات الرسمية في بعض البلدان ذات الأغلبية الشيعية (مثل التقويم الرسمي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية). وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، أصبح من المعتاد هناك إحياء ذكرى فاطمية الزهراء على مدى ثلاث عشريات منفصلة سنويًا؛ حيث تُقام مجالس العزاء في الفاطمية الأولى بشكل محدود لدى بعض الهيئات، بينما تحظى الفاطمية الثانية والثالثة بشعبية أوسع ومشاركة جماهيرية أكبر. وتندرج ضمن هذه المواسم ما يُعرف في الأدبيات بـ أعمال شهادة فاطمة الزهراء (مجالس ومواكب ومراثٍ وصدقات) على نحوٍ معلوماتي توصيفي لا تفصيلي.
كيفية شهادة حضرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) من منظور التاريخ الإسلامي
امتنع بعض علماء أهل السنة عن الخوض في تفاصيل هذه الحادثة التاريخية المؤلمة حفظًا لمكانة الخلفاء لديهم. يقول ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة: “الجرأة التي نُقلت فيما يتعلق بحضرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، لم ينقلها بين المسلمين سوى الشيعة”. وبالطبع، تجنّب كثير من علماء ومؤرخي أهل السنة ذكر بعض هذه الحقائق بشكل صريح في مصنفاتهم عن تلك الفترة الحساسة من تاريخ الإسلام.
الجدير بالذكر أن فاطمة الزهراء (ع) كانت الابنة الوحيدة الباقية لخاتم الأنبياء محمد (ص) بعد وفاته. فبوفاة رسول الله انتهت أيام سعادتها الظاهرية، وبدأت مرحلة جديدة من المعاناة. عانت السيّدة الزهراء خلال حياة والدها من أزمات عديدة؛ فقد شهدت الحروب والضغوط والمؤامرات التي شنّها أعداء صدر الإسلام ضد النبي الأكرم (ص)، ما كان ينعكس على راحتها النفسية. لكن بعد وفاة أبيها (ص)، حدثت تطورات معقّدة وحرجة كشفت عن أحقاد وضغائن كانت مكبوتة خلال حياة النبي، كالأحقاد الناجمة عن معارك بدر وخيبر وحنين وغيرها، والتي ظهرت على السطح بعد رحيله.
مع تلك الأحداث المؤلمة، وتفاقم المرض الذي أصابها، وفراقها لأبيها (ص)، اشتدت معاناة الزهراء (ع) جسديًا وروحيًا. وعلى الرغم من ذلك، صبرت السيّدة فاطمة وواجهت الآلام بصمت واحتساب؛ فكان جسدها يذوب يومًا بعد يوم كالشمع من شدّة المرض والحزن، دون أن تشتكي أو تتذمّر.
بحسب روايات التاريخ الشيعي، كانت شرارة هذه المعاناة العظمى هي الهجوم الذي شنه بعض رجالات السلطة آنذاك على بيت فاطمة وعلي (ع) بهدف إرغام الإمام علي (ع) على البيعة للخلافة الجديدة. أثناء ذلك الهجوم، تعرضت حضرة الزهراء (ع) لاعتداء عنيف: حيث عُصرت بين الباب والجدار بقوة، مما أدى إلى إصابات جسيمة لها وإلى سقوط جنينها المحسن الذي كان في بطنها. وتذكر الروايات أنها تلقت ضربات مؤذية جدًا (سواء بالسياط أو بأعقاب الأسلحة) على جسدها، فأثخنتها جراحًا وآلامًا. كل تلك الأحداث المروّعة والمتتابعة أدت إلى مرض السيّدة الزهراء (ع) مرضًا شديدًا لم تمهلها أيامه طويلًا حتى لحقت بأبيها شهيدة.

يُعد الباب في سيرة السيدة الزهراء رمزًا للألم والمظلومية، حيث شهد أعنف الأحداث التي أدت في النهاية إلى استشهادها.
وقد أشارت كلمات المعصومين (عليهم السلام) إلى تفاصيل هذه المظلومية: فعن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، أنه قال مُوبّخًا المغيرة بن شُعبة في مجلس بحضور معاوية: “أنت الذي ضربت فاطمة بنت رسول الله (ص) حتى أدميتها وألقت ما في بطنها”؛ أي أنك اعتديت على أمي فاطمة وأصابتها حتى أسقطت جنينها من أثر الضربة. وكذلك يقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في رواية يصف فيها أسباب مرض واستشهاد فاطمة (ع): “وكان سبب وفاتها أن قنفذًا مولى الرجل (أي عبدُ الخليفة الثاني) لكزها بنعل السيف بأمره، فأسقطت مُحسنًا، ومرضت من ذلك مرضًا شديدًا”. هذا الحديث صريح في بيان أن سبب وفاة السيدة فاطمة (ع) هو تعرضها للضرب من قبل قنفذ مولى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بأمره، مما أدى إلى إسقاط جنينها محسن ومرضها بعد ذلك مرضًا شديدًا لم تُفق منه.
عَجَبًا كيفَ وفَوا بِعَهدِ رسولِ الله
وأَلحقوا بعليٍّ من الجفاء ما يفوقُ الحدَّ
وبَدَلًا من الزهور والوُرود، جَلَبوا حَطبًا
وأَهدَوا الشّرارةَ لناموسِ الكبرياء!
زيارة أبي بكر وعمر للسيدة الزهراء (عليها السلام)
بعد الهجوم على دار فاطمة الزهراء (ع) وإصابتها بتلك الجراح البليغة التي تسببت في فقدان وليدها، اشتد بها المرض واقتربت أيامها من نهايتها. عند ذلك، أدرك الخليفة الأول أبو بكر (ومعه صاحبه عمر بن الخطاب) خطورة الموقف وموجة السخط في المجتمع الإسلامي نتيجة غضب فاطمة (ع) عليهما. فرغبا في زيارتها لطلب رضاها ظاهريًا وتخفيف نقمة الناس عليهما، وكذلك لإضفاء شرعية على حكمهما الذي بدأ بمنازعات سقيفة بني ساعدة. طلب أبو بكر من الإمام علي (عليه السلام) أن يستأذن له ولعمر بالدخول على فاطمة المريضة، بحجّة الاطمئنان عليها. كان هدفهما المعلن هو الاعتذار واسترضاؤها، وتحسين صورتهما أمام المسلمين بإظهار أنهما حريصان على زيارتها، ولتصوير حادثة غصب الخلافة وما تلاها كأنها أمور عادية تمت تسويتها. لكن السيّدة فاطمة (ع) رفضت استقبالهما ولم تكن راضية عن هذه الزيارة.
عندما أصرّا على المحاولة وأدركا أنها (ع) لن تأذن بدخولهما، توسّطا بالإمام علي (ع) راجين منه إقناع الزهراء بالسماح لهما بالمثول بين يديها. استجاب أمير المؤمنين (ع) مجاملةً لطلبهما، فدخل إلى فاطمة (ع) وأخبرها برغبتهما في الزيارة. فاضطرت للموافقة على لقائهما ولكن بشروط.
جاء أبو بكر وعمر ودخلا عليها. كانت فاطمة (ع) مستلقية على فراش المرض، ولشدّة غضبها أدارت وجهها إلى الحائط ولم تنظر إليهما. بدأا بالحديث قائلين: "جئنا نلتمس رضاكِ يا ابنة رسول الله." فلم تردّ عليهما في البداية. وبعد إلحاح، قالت (ع): "أسألكما بالله، أتتعهدان بأن تصدقا وتشهدا بالحق إن أنا حدثتكما حديثًا عن رسول الله (ص) قد سمعتموه منه؟" فقالا: نعم نفعل. عندها سألت (ع): "أنشدكما الله، ألم تسمعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي؛ فمن أحبَّ فاطمة فقد أحبَّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أغضب فاطمة فقد أغضبني؟".*
فقال أبو بكر وعمر معًا: "نعم، سمعنا ذلك من رسول الله (ص)." هنا واجهتهما فاطمة الزهراء (ع) بالحقيقة المرّة، فقالت: "فإني أُشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني! واللهِ، لئن لقيتُ النبي (ص) لأشكونَّكما إليه." ثم قالت: "والله لأدعونَّ الله عليكما في كل صلاة أصليها!". وقد كررت (ع) هذه العبارة توكيدًا لغضبها الشديد: أي أنها ستدعو عليهما وتشتكي مظلمتها إلى ربها في كل فرض ونفل.
عند ذلك، حاول أبو بكر أن يُظهر الأسف وراح يبكي أمامها كعادته في استعطاف الناس؛ لكن فاطمة (ع) لم تُغيّر موقفها. فالتفت عمر إليه غاضبًا وانتهره قائلًا أن هذا ليس موطن البكاء. فخرجا من بيتها وهما في حالة يأس وإحباط. يُروى في بعض المصادر أن أبا بكر حين خرج كان يقول للناس: "اقيلوني بيعتي!" أي أعفوني من منصب الخلافة، لشعوره بأنه في مأزق حرج بسبب سخط فاطمة (ع) عليه.
الجدير بالذكر أن المصادر الحديثية الموثوقة لدى أهل السنة نفسها تؤكد غضب فاطمة (ع) على أبي بكر: فقد جاء في صحيح البخاري ومسلم أن فاطمة بنت رسول الله (ص) هجرت أبا بكر فلم تكلمه حتى توفيت ودفنها علي (ع) ليلًا دون علم الخليفة. هذا الأمر دليل واضح على أنها بقيت ساخطة عليه إلى أن فارقت الحياة، وهو ما يُثبت حقيقة مظلوميتها حتى في روايات غير الشيعة.
وصيّة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لأمير المؤمنين (عليه السلام)
في أيام مرضها الأخيرة، استدعت فاطمة الزهراء (ع) زوجها الإمام علي بن أبي طالب (ع) لتُوصيه بأمور مهمة قبل رحيلها. جعلته (ع) وصيّها، وأعلنت رضاها الكامل عنه، ثم أوصته قائلة: "يا ابن عمّ، إذا أنا متُّ فغسّلني وكفّنّي ليلاً، وادفِنّي ليلاً، وسِر بجنازتي ليلاً"، وأكّدت عليه ألا يُسمح لأيّ من الذين ظلموها أو آذوها بالحضور في جنازتها أو الصلاة عليها. لقد أرادت (ع) بذلك أن يكون دفنها سرّيًا وبعيدًا عن أعين من ظلمها، ليبقى غضبها قائماً كشاهدٍ على ما جرى بعد وفاة أبيها (ص). وقد نفّذ الإمام علي (ع) وصيّتها بحذافيرها؛ فحين توفيت الزهراء (ع) قام بغُسلها وتكفينها في جوف الليل، وصلى عليها مع أبنائها وعدد قليل من خواصّ أصحابه، ثم دفنها سرًا في ظلمة الليل البهيم. ولم يعلم عامة الناس – ولا خصومها – مكان قبرها على وجه التحديد حتى يومنا هذا.

ظل موضع قبر سيدة نساء العالمين مجهولاً حتى يومنا هذا، وهو ما يجسد عمق مأساتها واستمرار احتجاجها الصامت.
وهكذا حُرِم أبو بكر وعمر وسواهما ممن شاركوا في ظلمها من تشييعها، وبقي قبر فاطمة الزهراء مجهولًا تحقيقًا لرغبتها ووصيّتها، وكدليل صامت على مظلوميتها وعظيم احتجاجها.
كل تلك الأحداث المؤلمة التي وقعت عقب وفاة رسول الله (ص) من هجومٍ واستلاب حقوقٍ وإساءةٍ لمقام البضعة النبوية، تسببت بشكل مباشر في مرض السيّدة فاطمة (ع) وفراقها الحياة شهيدةً وهي بنت الثمانية عشر ربيعًا فقط. وهكذا انطوت صفحة أعظم امرأة مظلومة في تاريخ الإسلام، التي قال فيها أبوها المصطفى (ص): «فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، ومن أغضبها فقد أغضبني».
قال الكونُ المتعبُ لنفسه: "آهٍ... أين الشمس؟"
فصرخ البابُ المكسورُ مجيبًا: "يا زهراء!"
حقائق تم التحقق منها وإضافتها في سياق المقال:
تاريخ ومدة بقاء الزهراء (ع) بعد الرسول
تُوفيت السيدة فاطمة الزهراء (ع) في السنة 11 هـ وهي في مطلع شبابها (عمرها حوالي 18 عامًا فقط عند وفاتها). حصلت وفاتها بعد فترة وجيزة من وفاة أبيها النبي محمد (ص)، وتتراوح الروايات بين 75 يومًا بعد وفاته (أي حوالي منتصف جمادى الأولى 11هـ) و95 يومًا بعده (أي أوائل جمادى الآخرة 11هـ). وهذا يعني أنها لحقت بأبيها خلال بضعة أشهر فقط من رحيله. ويُطرح هذا ضمن أسئلة من قبيل متى شهادة فاطمة الزهراء و في أي سنة هجرية كانت شهادة فاطمة الزهراء.
اختلاف التواريخ المعروفة لشهادتها
هناك تعدّد في الروايات التاريخية حول تاريخ يوم الاستشهاد، وأشهرها ثلاثة تواريخ:
- رواية الأربعين يومًا: تفيد بأن رحيل الزهراء وقع بعد حوالي 40 يومًا من وفاة النبي، مما يوافق أوائل شهر ربيع الآخر (تقريبًا 8–10 ربيع الثاني). هذه الرواية أقل انتشارًا، لكنها مذكورة في بعض المصادر.
- رواية الخمسة وسبعين يومًا: أن الوفاة كانت بعد 75 يومًا من وفاة الرسول، أي حوالي 13 جمادى الأولى 11هـ. وهذا التاريخ اعتمده الكثير من المسلمين الشيعة ويُعرف شعبيًا بـ«الفاطمية الأولى».
- رواية الخمسة والتسعين يومًا: أن الوفاة وقعت بعد 95 يومًا من وفاة الرسول، أي في 3 جمادى الآخرة 11هـ. وهذه الرواية هي الأكثر اعتمادًا وتأكيدًا لدى علماء الشيعة، ولذلك يشار إلى هذه المناسبة باسم «الفاطمية الثانية» وهي الأكثر إحياءً.
إحياء ذكرى "الأيام الفاطمية"
درج الشيعة على إحياء ذكرى استشهاد الزهراء (ع) في الفترات المرتبطة بالروايات المذكورة أعلاه. في العصر الحديث، وخاصة بعد عام 1979 (انتصار الثورة الإسلامية في إيران)، أصبح من المعتاد إحياء مواسم عزاء منفصلة في كل من التواريخ الثلاثة. ومع أن جميعها محل احترام، فإن 13 جمادى الأولى و 3 جمادى الآخرة يحظيان بإجماع أكبر وتم اعتمادهما في بعض التقويمات الرسمية، بينما يُحيي البعض أيضًا ذكرى مبكّرة في أوائل ربيع الآخر (على أساس رواية الـ40 يوم). في تلك الأيام يقيم الشيعة مجالس العزاء في المساجد والحسينيات حدادًا على مصاب الزهراء، وتُذكر فيها روايات شهادة فاطمة الزهراء وأحداثها، وتُنشر المواد التعريفية حول تاريخ شهادة فاطمة الزهراء لرفع الوعي بتاريخها.
فاطمة (ع) بنت رسول الله الباقية
تُجمع المصادر على أن السيدة فاطمة الزهراء (ع) كانت الإبنة الوحيدة للنبي محمد (ص) التي بقيت على قيد الحياة بعد وفاته. فجميع أبناء وبنات النبي الآخرين توفوا قبله، مما جعل فاطمة وارثة إرثه الروحي ومهبط عاطفته في آخر حياته. وقد عاشت الزهراء (ع) بعد أبيها مدة قصيرة للغاية (أقل من ستة أشهر حسب جميع الروايات) مما زاد من فاجعة المسلمين برحيلها السريع.
سبب استشهادها – الهجوم على دارها وإصابتها
تؤكد روايات التاريخ الموثقة عند الشيعة أن استشهاد فاطمة الزهراء (ع) لم يكن وفاة عادية، بل نتيجة إصابات خطيرة لحقت بها إثر اعتداء على بيتها عقب وفاة الرسول (ص). فبعد حادثة سقيفة بني ساعدة وتخلف الإمام علي (ع) وعدد من الصحابة عن بيعة أبي بكر، توجهت مجموعة يقودها عمر بن الخطاب إلى منزل علي وفاطمة للضغط عليهم. خلال تلك الواقعة، هدد المهاجمون بحرق البيت إذا لم يخرج من فيه للمبايعة. وتصاعد الموقف إلى اقتحام المنزل بالقوة. حاولت فاطمة (ع) أن تمنعهم من أخذ علي (ع) بالقوة، فوقفت خلف الباب لتعيقهم، فدفع أحدهم الباب بعنف شديد على جسدها الطاهر. ونتيجة ذلك سُحقت الزهراء (ع) بين الباب والجدار وأُسقط جنينها المحسن الذي كان في رحمها. كما يُنقل أنها تعرضت للضرب بالسوط أو بعقب السيف على يد قنفذ مولى عمر بأمره، وكان ذلك مباشرة سبب مرضها الذي أودى بحياتها بعد أيام قليلة. إذن، تجمع روايات الشيعة أن كسر ضلع الزهراء وإسقاط جنينها هو الذي أدى إلى وفاتها شهيدة مظلومة.
شهادات الأئمة (ع) على الحادثة
وردت على لسان الأئمة من أهل البيت إشارات واضحة إلى تلك الاعتداءات:
- الإمام الحسن (ع) واجه المغيرة بن شعبة (أحد المشاركين في الهجوم) في مجلس معاوية قائلاً له: «أنت الذي ضربت فاطمة بنت رسول الله حتى أدميتها وألقت ما في بطنها».
- الإمام الصادق جعفر بن محمد (ع) ذكر أن سبب وفاة جدته فاطمة هو ضربها من قبل قنفذ بأمر عمر بن الخطاب مما أدى إلى إسقاط ولدها محسن ومرضها الذي توفيت بسببه.
إضافة إلى ذلك، تحمل بعض الأشعار والمراثي عبر العصور نفس المضامين (مثل الأبيات الشعرية المذكورة في المقال) التي تشير إلى إحراق الباب وجناية القوم على آل البيت.
غضب فاطمة (ع) وموقفها من الخليفتين
من الأمور الثابتة تاريخيًا عند المسلمين كافة أن فاطمة الزهراء (ع) غضبت على أبي بكر بعدما منعها فدك وإرث أبيها. تؤكد مصادر أهل السنة المعتبرة (كالبخاري ومسلم) أنها لم تُكلّم أبا بكر حتى وفاتها وظلت مهاجرةً له. بل أوصت الإمام علي (ع) بأن تُدفن سرًا ليلًا ولا يُعلم بهما، وقد نفّذ علي (ع) ذلك فعلًا. وهكذا ماتت فاطمة الزهراء وهي ساخطة على أبي بكر وعمر – كما يستفاد من روايات الفريقين – تحقيقًا لقول النبي (ص): «فاطمة بضعة مني، من أغضبها فقد أغضبني».
حديث رضا فاطمة من رضا النبي (ص)
استشهدت فاطمة (ع) في لقائها مع أبي بكر وعمر بحديث شريف عن رسول الله (ص) يؤكد ارتباط رضاها برضى الله ورسوله. قالت لهما: “ألم تسمعا النبي يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي...؟” فأقرا بسماعه. ومعناه أن محبة فاطمة وإرضاءها هو محبة للرسول وإرضاء له، والعكس بالعكس.
دفنها ليلاً وقبرها المجهول

تنفيذًا لوصيتها، شُيع جثمان السيدة الزهراء ودُفن في جوف الليل سرًا، ليبقى قبرها المجهول شاهدًا أبديًا على مظلوميتها.
من وصايا فاطمة (ع) المشهورة أنها طلبت أن تُدفن ليلاً وفي سرية تامة وألا يحضر جنازتها أي أحد ممن ظلمها. وقد تمّ ذلك بالفعل، وبقي موضع قبر فاطمة الزهراء (ع) غير معروف على وجه التحديد حتى اليوم (قيل في البقيع أو في الروضة الشريفة أو بين القبر والمنبر).
أسئلة شائعة (FAQ)
متى استُشهدت فاطمة الزهراء؟
بحسب المشهور عند الإمامية، استُشهدت في 3 جمادى الآخرة سنة 11 هـ، مع وجود روايات أُخرى تجعلها في 13 جمادى الأولى أو أوائل ربيع الآخر.
كم يومًا عاشت بعد النبي (40/75/95)؟
توجد ثلاث روايات ذائعة: بقاؤها 40 يومًا، أو 75 يومًا، أو 95 يومًا بعد وفاة النبي (ص). والأكثر اعتمادًا عند كثير من العلماء هي رواية 95 يومًا.
ما معنى «الأيام الفاطمية»؟
هو اصطلاح يُطلق على المواسم التي تُحيى فيها ذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء وفق تواريخ الروايات (ربيع الآخر/جمادى الأولى/جمادى الآخرة)، وتشهد فيها الحسينيات والمساجد مجالس عزاء ومراثٍ دينية في دول عربية عديدة كالعراق والبحرين ولبنان والكويت.
لماذا دُفنت فاطمة ليلًا؟
وفاءً لوصيّتها (ع) بأن تُدفن سرًّا ليلًا وألا يحضر جنازتها من آذاها؛ لتبقى وصيّتها رسالة احتجاج تاريخي على ما وقع عليها من ظلم.
أين قبر فاطمة الزهراء؟
موضعه غير معلوم يقينًا؛ وقيل في البقيع، أو في بيتها (الروضة الآن)، أو بين القبر والمنبر في المسجد النبوي.
ما حقيقة الهجوم على دار فاطمة؟
بحسب روايات الشيعة، وقع اعتداءٌ على دارها بعد السقيفة للضغط على الإمام علي (ع) للبيعة، وأدّى ذلك إلى جراح خطيرة وإسقاط جنينها محسن؛ بينما تتحفّظ مصادر سنّية كثيرة على تفاصيل الحادثة.
من هو محسن بن علي؟
هو الجنين المُسمّى محسن، أصغر أولاد فاطمة (ع) وعلي (ع)، وقد سقط إثر الحادثة المذكورة في الروايات الشيعية.
هل غضبت فاطمة على أبي بكر؟
نعم؛ تثبت مصادر سنية معتبرة (كالبخاري ومسلم) أنّها غضبت وهجرته ولم تُكلّمه حتى تُوفيت، ودُفنت ليلًا على غير علمه.







