يوم التروية: معلومات عن يوم التروية وأهمِّيته
يُعد يوم التروية المحطة الأولى في رحلة الحج العظيمة، ويصادف اليوم الثامن من شهر ذي الحجة. يُمثِّل هذا اليوم بداية مناسك الحج، ويحمل أهمِّية روحية عميقة للمسلمين. في هذا الدليل، سنتعمَّق في تقديم معلومات عن يوم التروية، ونستعرض أهم شعائره ، ودوره في تهيئة الحجاج لأداء الركن الأعظم من مناسك الحج، لإفادة كل راغب في معرفة المزيد عن هذه المناسبة الجليلة.

ما يوم التروية؟
يوم التروية اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، ويُعدُّ أول أيام مناسك الحج الكبرى. في هذا اليوم المبارك، يتوجَّه الحجاج من مكة المكرمة إلى مشعر مِنى، في رحلة إيمانية تبدأ فيها شعائر الحج الفعلية. يقضي الحجاج ليلتهم في منى، حيث يؤدون الصلوات الخمس قصرًا دون جمع، في أجواء من السكينة والخشوع.
يُمثِّل هذا اليوم مرحلة محوَرية لتهيئة الحجاج روحيًا وجسديًا ليوم عرفة العظيم، الذي يليه مباشرة. إنه وقت للتأمل العميق، والتضرُّع إلى الله، والابتعاد عن مشاغل الدنيا، والانغماس الكُلِّي في العبادة. يجتمع فيه الحجاج من مختلف بقاع الأرض، مرتدين لباس الإحرام، في مشهد يؤكد الوحدة والتساوي، ويُشكِّل نقطة انطلاق نحو ذروة مناسك الحج.

لماذا سُمي يوم التروية بهذا الاسم؟
تعود التسمية إلى ما كان يفعله الحجاج في القديم حين كانوا يستعدون للحج بجمع المياه من مكة للتزوُّد بها أثناء وجودهم في منى وعرفة. اشتُقّ الاسم من "التروية" أي التزوُّد بالماء. وهناك رأي آخر يقول إن هذا اليوم سُمِّي يوم التروية لأن نبي الله إبراهيم -عليه السلام- رأى في منامه ليلة الثامن من ذي الحجة أنه يذبح ابنه إسماعيل، فبدأ "يتروَّى" في رؤياه، حتى تأكَّد في اليوم التالي، أي يوم عرفة، أنها أمرٌ من الله.

تُظهر هذه الصورة حجم شعائر الحج في يوم التروية.
أهمية يوم التروية في الإسلام
تحمل هذه المناسبة بُعدًا تعبّديًا خاصًا، حيث يبدأ الحاج بأداء نسكه فعليًا. وقد وردت العديد من النصوص التي تدلُّ على فضل يوم التروية. ومن أبرز فضائله:
- من أفضل أيام شهر ذي الحجة العشر، التي يُستحبّ فيها الإكثار من الذكر والعمل الصالح.
- فيه يستعدُّ الحاج نفسيًا وبدنيًا لأداء شعيرة الحج الكبرى.
- من الأيام التي أقسم الله بها في قوله تعالى: "وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ" (سورة الفجر، 1-2).

حكم صيام يوم التروية
يُستحبّ لغير الحاج أن يصوم يوم التروية باعتباره من الأيام العشر الأولى من ذي الحجة التي حثَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على العمل الصالح فيها. فالصائم في هذه الأيام، وخاصة في يوم التروية ويوم عرفة، ينال أجرًاعظيمًا ومضاعفًا عند الله تعالى.
أما الحاج، فيُكره له صيام هذا اليوم. والحكمة من ذلك تكمن في حاجته الماسة إلى القوة والنشاط البدني والذهني. فيوم التروية يوم الانتقال إلى منى، والاستعداد لأداء مناسك الحج المتتالية التي تتطلب جهدًا كبيرًا، مثل الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ورمي الجمرات.
أعمال يوم التروية للحاج
يؤدي الحجاج في يوم التروية باقة من الأعمال والسنن التي تُهيِّئهم للمناسك العظيمة التالية. تهدف هذه الأعمال إلى التركيز الروحي والبدني، وتتضمن ما يلي:
الإحرام
يدخل الحاج المتمتع، أي الذي أدى العمرة وتحلل منها، في نية الحج من مكانه في مكة أو حولها. يُستحبُّ له أن يغتسل ويتطيَّب قبل ارتداء ثياب الإحرام، ثم يعقد النية، ويبدأ بالتلبية قائلاً: "لبيك اللهم حجًا". أما الحاج القارن، أي الذي نوى الحج والعمرة معًا، والمفرِد، أي الذي نوى الحج فقط، فيكونان على إحرامهما السابق من الميقات، ولا يحتاجان إلى إحرام جديد. يستمر الحاج في ترديد التلبية، حتى يصل إلى منى.
الاغتسال
يُستحبّ للحاج أن يغتسل في يوم التروية قبل الإحرام، أو قبل التوجه إلى منى. هذا الاغتسال ليس فرضًا، لكنه سنَّة مؤكدة تهدف إلى النظافة البدنية والتهيؤ الروحي. يُشبه هذا غُسل الجنابة، حيث يعمم الحاج الماء على جميع أجزاء جسده، مع تدليك البشرة وإيصال الماء إلى منابت الشعر بنيّة الطهارة والتقرب إلى الله.
ترديد التلبية
التلبية الشعار المميز للحج، ومن أعمال يوم التروية المستحب أن يكثر الحاج من ترديدها بصوت مسموع منذ لحظة إحرامه وحتى رمي جمرة العقبة الكبرى يوم عيد الأضحى. ومعناها: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك". يعمِّق ترديد التلبية الشعور بالعبودية لله، ويُذكر الحاج بهدف رحلته، ويُعزّز روحانية المناسك.

يوم التروية هو وقت للتأمل العميق والإعداد الروحي.
التوجُّه إلى منى والمبيت فيها
يتحرك الحجاج من مكة المكرمة إلى مشعر منى بعد طلوع شمس اليوم الثامن من ذي الحجة، ويُفضَّل أن يكون هذا التحرك قبل وقت صلاة الظهر. عند الوصول إلى منى، يقضي الحجاج بقية اليوم وليلة عرفة فيها. خلال هذه الفترة، يؤدُّون الصلوات الخمس: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وفجر اليوم التاسع. تُصلَّى الصلوات الرباعية (الظهر والعصر والعشاء) قصرًا ركعتين لكل صلاة، دون جمع، أي كل صلاة في وقتها المحدد، اقتداءً بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم. يُعدُّ المبيت في منى سنَّة مؤكدة، وجزء أساسي من التهيّؤ الروحي والنفسي ليوم عرفة العظيم، حيث يجتمع الحجاج، موحِّدين قلوبهم على العبادة.

المبيت في منى من أهم شعائر يوم التروية.
الأخطاء الشائعة في يوم التروية
رغم وضوح مناسك يوم التروية، يقع بعض الحجاج في أخطاء ينبغي تجنّبها، منها:
- عدم نية الدخول في الحج للمتمتّع بشكل صحيح.
- ترك التلبية أو التهاون في تكرارها.
- تأخير التوجه إلى منى بغير عذر.
- أداء الصلوات جماعةً في غير وقتها أو مع جمع بغير حاجة.
- عدم المبيت في منى.
أحاديث نبوية عن يوم التروية
لم ترد أحاديث صحيحة مخصصة بشكل صريح في فضل يوم التروية وحده، لكن وردت أحاديث عامة في فضل أيام ذي الحجة منها عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلّم-: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام" يعني أيام العشر (حسن صحيح، أخرجه البخاري، 969). وعن جابر رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلّم- قال: "أفضل أيام الدنيا العشر" يعني: عشر ذي الحجة." (صحيح، أخرجه البزار) كما ورد عن النبي ﷺ أنه بات بمنى ليلة التاسع، وصلّى بها، وكان من هدْيِه -صلى الله عليه وسلم- أن يبدأ النُسك بهذا اليوم.
أهمية مشعر مِنى
يُعد مشعر منى ذا أهمية قصوى في مناسك الحج، فهو ليس مجرد محطة عبور، بل قلب العديد من الشعائر الأساسية التي يؤدّيها الحجاج، حتى ما بعد يوم التروية.
لماذا سُمّيت مِنى بهذا الاسم؟
تتعدّد الروايات حول سبب تسمية مشعر مِنى، وكلّها تحمل دلالات عميقة:
- المنى والأماني: يُقال إنها سُمّيت منى؛ لأنها المكان الذي "تُمنى" فيه النفوس ما تشتهي، أي تتمنى فيه الأماني، وتُطلب فيه الحاجات من الله تعالى، فيُستجاب لها.
- اجتماع الناس: يرى بعض المؤرخين أن التسمية جاءت من "المنّ" بمعنى اجتماع الناس، فمِنى ملتقى الحجاج من كل فجّ عميق.
- إراقة الدماء: هناك رأي آخر يربط بين التسمية و"إراقة الدماء" أو "منّى الدم"، في إشارة إلى كثرة الذبائح التي تُنحر فيها خلال أيام عيد الأضحى وأيام التشريق، تقربًا لله تعالى.
الموقع الجغرافي وأهميته في الحج
يقع مشعر منى بين مكة المكرمة ومزدلفة، على بُعد حوالي 7 كيلومترات شمال شرق المسجد الحرام. وهو وادٍ تحيط به الجبال من الشمال والجنوب، ويُعرف بكونه "مدينة الخيام" العملاقة التي تستوعب ملايين الحجاج خلال أيام الحج. تمتد مساحته لنحو 7.8 كيلومترات مربعة، ويُعد الموقع الرئيسي لأداء العديد من المناسك، أبرزها المبيت في يوم التروية وليالي التشريق، ورمي الجمرات. يجعله دوره الحيوي في الحج مركزًا لوجستيًا وروحيًا، حيث يتجمع فيه الحجاج قبل التوجه إلى عرفة، ثم يعودون إليه بعد الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة لاستكمال رمي الجمرات والنحر.
دعم الشيخ محمد بن زايد للحجاج
تُولي دولة الإمارات العربية المتحدة اهتمامًا كبيرًا بتيسير أداء الحج لمواطنيها والمقيمين على أراضيها. ويأتي هذا بدعم مباشر من القيادة، وعلى رأسها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذي يحرص على تسخير كافة الإمكانيات لضمان سلامة وراحة ضيوف الرحمن الإماراتيين من خلال بعثات رسمية منظمة وخدمات لوجستية على أعلى مستوى.
أسئلة شائعة
ماذا يفعل الحُجَّاج في يوم التروية؟
يُحرم المتمتع من مكان إقامته في مكة، ثم يتوجه الحجاج إلى منى، حيث يُصلون الصلوات الخمس في وقتها مع قصر الرباعية، ويبيتون فيها استعدادًا ليوم عرفة.
ما فضل يوم التروية في الإسلام؟
هو يوم من أعظم أيام العشر، تبدأ فيه مناسك الحج الفعلية، ويُستحبُّ فيه الذكر، والتلبية، والتهيئة الروحية. كما أن فيه اتباعًا لهدي النبي -صلى الله عليه وسلَّم- في الترتيب الزمني لمناسك الحج.
ما الأعمال المستحبَّة في يوم التروية؟
تشمل الأعمال المستحبة في يوم التروية الإحرام، والتلبية، والتوجه إلى منى، وأداء الصلوات، والمبيت، والتهيئة النفسية والروحية ليوم عرفة.







